سنوات الرصاص في التعليم /  بقلم : محمد بوعجبان

سنوات الرصاص في التعليم / بقلم : محمد بوعجبان

في السنة الخامسة ابتدائي كان يدرسنا معلم أقل ما يمكن أإن يصف به هو الجلاد ، كان مظهره مرعبا ، لا يبد ابتسامة أبدا رغم أن فاه يضل مفتوحا لأن سنه العلوي منغز في الفك بشكل أفقي يعيق انغلاق الشفتين ، كان دائما ما يرفع أكمام قميصه إلى المرفقين كي لا يعيقه عند الكتابة على السبورة، كما عند جلد أحدهم بخرطوم الغاز الأحمر .أذكر أنني ومنذ أن كنت في السنة الثالثة وتلاميذه في السنة الخامسة والسادسة لا يتوقفون عن وصفهم لنا ما يتعرضون له من سلخ وجلد ،حيث كانت فترة الاستراحة فرصة لتبادل المواسات بين التلاميذ والسخرية أحيانا أخرى .فمنهم من ازرورق لحم ظهره إثر ضربات الخرطوم ومنهم من تيبست يده واخشوشبت أنامله من شدة البرد و الضرب ومنهم أعز حظا نال صفعة على وجهه . كنت أسائلهم ،من رعب ما أرى،أيضربكم حتى وأن كانت الإجابة صحيحة ؟ كان هذا هو هاجسي :إذا كانت الإجابة صحيحة فليس لأحد الحق ليضربني ، لكن هول ماترى ينسيك الصواب من الخطأ .فتنفتح أمامك أبواب من العذاب . كنت أواسي نفسي بأنني أدرس جيدا ولن أسمح له بضربي ابدا . عندما بلغت قسم السنة الخامسة، لم يتغير شيء سوى الخرطوم الأحمر أصبح اسود و هو سلك الكهرباء عالي التوتر ، كنا لا نتردد في فتح النافذة وإلقائه منها إلى ماوراء سور المدرسة ،وكان هذا لا يزيد معلمنا إلى إصرارا على استبداله بما هو أعتى منه . كان معلمنا هذا لا يدرسنا شيئا تقريبا ،حتى أني لا أذكر اليوم أنني مدين له بعلم .كان يقف بباب معلمة الفرنسية يتحدثان لساعات دون ملل ولا كلل ، أتساءل إلى الآن ماذا كان يدور بينهما مثلا ؟ لا أدري تماما ،حتى إذا خرج المدير الأعور من مكتبه دخلا كفأرين مفزوعين إلى القسم . حينها يدخل معلمنا وهو يجر خيبة أمل عدم إتمام حديثه الشيق مع المعلمة . فينطلق نحو مكتبه ويحمل قطعة طبشور أملس ويبدأ في كتابة نص النحو ،كان يفعل ذلك بشره كأنه يحظر لطعم ليصطاد فرائسه .كان خطه جميلا مزيجا من خط الرقعة والديواني دون أن يفقد توازي أسطره ، كان الصمت يعم القسم ولا يسمع غير نقرات الطبشور على الصبورة .الكل في حالة رعب ننتظر مصائرنا ،منشغلين بشكل وإعراب النص قبل أن يقوم بمناداتنا لشكله ،حتى إذا أنهى النص ، استدار إلينا ويبدأ بنفث غبار الطبشور العالق بين أصابعه وهو ينظر إلينا . فترى الكل يخفض بصره وكأنما كان مشغولا بشيء سلفا . وعندما يفرغ من مسح ساعده الأيمن كثيف الزغب يحمل خرطومه و يضرب ضربة على مكتبه فينتشر الغبار في جنباته فينطلق بين الصفين المواليين للمكتب حتى إذا بلغ طاولة شاغرة في أقصى الصف الأول بدأ بقراءة النص بصوت مرتفع ، فتهتز قلوبنا من أماكنها وكأنما على رؤوسنا الطير وبين سطر وآخر كان يضرب ضربة على الطاولة كطبول حرب تقرع آذانا ببدايتها . وعندما ينتهي من قراءة النص يأمر زميلتنا نعيمة بالقراءة لأنها كانت أشدنا رباطة للجأش عند القراءة ، وعلى الرغم من ذلك كان صوتها ترتابه نوبات من الرعشة و التوقفات الزائدة عندما تبتلع ريقها. وبعد القراءتين ،تبدأ عملية المناداة التي تتم أحيانا بشكل دوري من المقعد الأمامي المحادي لباب القسم إلى المقعد الآخير من الصف المحادي للمكتب وأحيانا أخرى تتم بشكل عشوائي . ففي الأولى تتم دمقرطة الاختبار على الجميع وفي الثانية وسيلة للانتقام المباشر من أشخاص بعينهم لسبب أو من دونه . وما أن يتأهب المعلم للمناداة على أحدنا ، تسمع همساتنا بالدعاء والتضرع الى الله أن يقينا شر النهوض إلى السبورة ، حتى إذا نطق باسم ، تسمرت الألسن وتوقفت القلوب عن الخفقان للحظة و استدار الجميع نحو المعني بنظرات من التحسر و أخرى من الارتياح النسبي . فينطلق صاحبنا وقدماه عاجزتان عن حمله ويقصد علبة الطباشير ، فيرتبك بأي الألوان سيكتب ويجعل من اختيار اللون مبررا ليأخذ أنفاسه حتى إذا وجد الأصفر حمله بين أصابعه المرتجفة فلا تفرق بين صفرة يده وصفرة الطبشور . فيبدأ بقراءة الجملة التي سيشكل ثم يبدأ الشكل حتى إذا أخطأ اهتزت الأنفاس من ورائه دون أن يعرف أين أخطأ فيتوقف ليعيد القراءة فلا يتبين له سبب تحذيراتنا فيستدير نحونا بنظرة استجداء وكأنما يخبرنا لا أرى خطأ في ما كتبت ! وما أن يبدأ بالكتابة حتى تهتز الهمسات من وارئه فيقرع المعلم الطاولة بالسلك الأسود ليعم الصمت في القسم فلا تسمع غير أنفاس المنادى زفيرا ونفيرا.وبعد لحظات من التردد بين كسرة أو فتحة على الممنوع من الصرف ، يضع فتحة وينهي مسلسل تعذيبه فيستدير إلينا متحاشيا النظر إلى المعلم ، فيأمره المعلم بالانصراف ناحية المكتب وهذا دليل استحقاقه للتعذيب ، فيتخلص صاحبنا من طبشوره لتبتدئ مرحلة الانتظار.يقوم المعلم بالمناداة على الموالي ويأمره أن يصحح أخطاء الأول فلا يتبن له شيئا من شدة الخوف ، فيشطط غضب المعلم فيأمره باللحاق بالأول وهكذا …حتى إذا صعدت بنت لان قلبه وبدأ بمساعدتها . كان تعامله مع البنات مختلفا تماما لتعامله مع الذكور ، وذلك لأن منهن من تشتري له المكسرات المالحة لينشغل بتقشيرها كنوع من العلاج النفسي لعصابه القهري خصوصا في الفترات التي تسبق رمضان حيث كان ينغمس في محاولة فاشلة للاقلاع عن التدخين، ليعود بعد رمضان ليدخن بشراهة أكبر. وعندما يمر الجميع بالسبورة يقوم المعلم بتصحيح الأخطاء فينظر إلى أصحاب الأخطاء الواقفين جانب المكتب كخرفان ملتحمة فيما بينها ، عيون بعضهم قد اغرورقت في الدموع حتى قبل بداية عملية السلخ وبعضهم تتسلل إليه ابتسامة غبية متظاهرا بعدم خوفه مما ينتظره .أما الناجين فلا يسعهم فرح ولا فخر من نعيم ما هم فيه . حتى اذا جاءت ساعة الحقيقة ، اقتاد المعلم تلامذه المصفدين من شدة الرعب ، فتبدأ بشائر الضرب تنهال عليهم حتى لا يتلكؤوا في المشي . فيجلس الأول فوق الطاولة و يأمر اثنين قويين كسولين ممن اعتتادا هذه المراسيم ، فيمسكا قدميه بقوة .وكانا الاثنين يفعلان ذلك بكل إخلاص وإن كانت هذه لا تنجيهم بدورها من الجلد ، وعندما تستقر قدماه ذات الجوارب المثقوبة في السماء ، يرفع سي حمو ذراعه الى أقصى ما تبلغه يده فيعيدها من حيث أتت فيهوي السلك الأسود على قدمي صاحبنا الأول ،فيصرخ بقوة و قدماه تهتزان ذهابا وإيابا من شدة الصعقة والمعلم يقول “لماك انا لماك ” ويأمر الإثنين ليعيداه الى وضع المدفعية فينهال عليه ثانية و ثالثة…حتى تخر قواه ويقل صراخه فيأذن المعلم للإثنين باطلاق سراحه ، فيتأهب للوقوف فلا يستطيع فيحمل حذاءه ويعود لمقعده ليمسح دموعه المنهمرة و يترك قدماه على الارض لتبردا كنوع من العلاج الطبيعي. فيصعد الثاني الى الطاولة وهكذا … حتى يبلغ دور زبانية العذاب فيدعو أحد ممن استجمع قواه لمسك واحدا من الإثنين و والثاني ليس إلا صديق الأول …حتى اذا انتهى معلمنا من الجلد رتب ملابسه و مسح العرق عن جبينه ووقف بباب القسم لينتشي بتدخين سيجارته بعد النصر الذي حققه . فيما التلاميذ ينشغلون بلملمة جراحهم . من الطرائف أن صديقا لنا اسمه حفيظ ، قد كرر لسنة أو لسنتين ، اعتاد ان ينال “التحميلة ” حتى أنه في السنة السادسة ما عاد يحتاج أن يمسك قدماه اثنين من التلاميذ ،فكان المعلم يضربه بكل ما يملك من قوة فلاتتغير ملامح صاحبنا أبدا وكأنما لا يشعر بشئ و كان المعلم يكرر الضرب وصاحبنا في تماسك لا مثيل له في تحد قل نظيره حتى بين جنود جيش هتلر ! حتى إذا تعب المعلم ضربه على رأسه ليعود إلى مكانه ، ومنذ ذلك الوقت أعفاه المعلم من نيل شرف الصعود الى وضع المدفعية ، بل وحتى المشاركة في القسم ، فاقتصر دوره على القيام بدور زبانية المدفعية …

يتبع # سنوات الرصاص من التعليم المغربي

اترك تعليقاً