الاستعداد للامتحانات و مبالغة الأباء / بقلم ذ. حسن بوعجب

 

   مع اقتراب موعد امتحانات الباكلوريا تدخل العائلات المعنية بهذا الرهان حالة استنفار غير عادية ، يضع الآباء أيديهم على قلوبهم ، و ينصب كل التركيز على  الابن الممتحن ،  يراقبون كل حركاته و سكناته و هو على بعد أيام قليلة من يوم الحسم ، ينظرون إليه و هو مستغرق في مراجعته بعطف دافق يرافقه تخوف و توجس من نتائج الامتحان ، ودوا لو ساعدوه و أدخلوا كل ركام الدفاتر و الكتب إلى رأسه الصغير في دقيقة واحدة ليحفظها كل الحفظ ، ودوا لو يضربون الخط فيعرفون موضوع الاختبار فيدلوه و يوفروا عليه عناء التخبط بين هذه الفقرة و تلك ، ودوا لو ينجح ينجح بأية طريقة . يزداد توترهم و يهولون الأمر و كأننا أمام نهاية العالم ، كلما رأوه ضاحكا لاهيا بعض الوقت صرخوا في وجهه : “خذ كتبك وراجع لا تنس أن الضياع وراءك و الامتحان أمامك …” ، يقترب اليوم الموعود و تصل حالة الاستنفار درجتها القصوى ، ترتفع الأصوات بالدعاء المتكرر للابن  ، و ترتفع درجة حرارته إلى مستوياتها القياسية و يبدأ بالشعور بحموضة غير عادية في معدته و كأنها مياه ساخنة تسري في أمعائه … تتبعثر المعلومات في ذهنه و تختلط الجغرافيا بالتاريخ  و الفزياء بالكمياء ، و تتداخل أشياء و أشياء… و كم من مادة قال أنه ضبطها لكن ما أن يرفع حاجبيه ليتفقدها حتى يجدها قد تبخرت من عقله الصغير في آخر لحظة … وتصير في هذه الحالة كل وسائل الدفاع عن النفس و انتزاع الباك مشروعة ، ينطلق إلى قاعة الامتحان في حالة حرب إما النجاح و إما الاستشهاد في ساحة المعركة …

    على هذا المنوال للأسف نجد عائلات كثيرة تخطئ التصرف في التعامل مع أبنائها الممتحنين ، فالمبالغة في الاهتمام بموضوع امتحانهم و حرصهم على تتبع استعدادهم  للامتحان غالبا ما قد يأتي بنتائج عكسية ، تتمثل أساسا في رفع درجة الارتباك لدى التلميذ و دفعه إلى محاولة سلك أية طريقة من أجل انتزاع شهادة الباك ، حتى أننا نرى بعض التلاميذ المجتهدين يرتضون الغش وسيلة في آخر لحظة ، بل من التلاميذ من يصير مستعدا للتقاتل بكل الوسائل مع أطر الحراسة من أجل إنقاذ نفسه من جحيم التكرار ،  لهذا فعلى الآباء أن يدركوا جيدا أن تتبعهم المبالغ فيه لابنهم في اللحظات الأخيرة قبيل الامتحان إن لم يضر فهو لا ينفع أبدا ، و هو أمر بسذاجته هذه أشبه ما يكون بمن يحاول تسمين خروف في الخمسة أيام الأخيرة المتبقية ليوم العيد  ، إذ لا ينفع حينها شمندر ولا شعير ، فالمفروض المفروض أن يظل الأباء على اهتمام متواصل بدراسة الأبناء مراقبة و تشجيعا طيلة السنة ، أما أن يطالبوهم بغتة بالنجاح  في آخر المشوار فذلك يهول عليهم الأمر و يخلق فيهم مزيدا من التوتر و القلق ، إلى درجة أن هناك من التلاميذ من يدخل في حالة رهاب حقيقية ،  بخشيته ردود فعل أسرته في حالة رسوبه أكثر مما يخشى من الرسوب في حد ذاته ، و كأنه إن نجح ينجح لأسرته و إن رسب فإنه يرسب لأسرته ، مما ينزع من لاوعيه بشكل غير مباشر الشعور بالمسؤولية عن ذاته متعودا دائما انتظار المنبهات و الموجهات الخارجية التي قد تحضر أحيانا و تغيب أحيانا أخرى  ، و إن كان من المفيد فعلا مثل هذا التنبيه ليحفز التلميذ فيتعلم العيش لغيره لا لذاته فقط ، لكن شريطة أن يكون ذلك عن اختيار واع يعبر عن نضجه و إنسانيته الحقيقية الحرة .

   إن الابن لا ينبغي أن نحسسه أبدا بأنه موضوع استثمار مادي بالنسبة لنا ، فيكفي أننا حاولنا تربيته تربية حسنة تكون لنا صدقة جارية في المستقبل  ، ثم أنه لا ينبغي  من جهة أخرى أن  نزيد من تكريس عقدة الباكلوريا  في نفوس الأبناء ،  بجعلنا الابن يعتقد يقينا بأن دراسة المعارف النظرية هي كل شي في هذه الحياة و بأنها هي الوسيلة الوحيدة المشرفة للارتقاء الاجتماعي ، فليس بالضرورة أن يتوظف الفرد بدبلوم من الدولة حتى يكون محظوظا اجتماعيا ، فكم من منقطع عن الدراسة حصل من النفوذ و النقود ما لم يحصله ذلك التلميذ المجتهد الثاقب الذكاء ، و كم من مكرر في مستوى الباك لعدة مرات استطاع أن يشق لنفسه فيما بعد طريقا علميا و مهنيا أفضل مما تأتى لذلك التلميذ المتفوق السريع الخطوات … ، نعم هي أقدار سجلها التاريخ و يسجلها ،و ينبغي للتلميذ أن يكون على علم بها و على وعي سليم بها ، حتى يذهب إلى قاعة الامتحان و كله اطمئنان ، يقدر على رؤية أسئلة الاختبارات و يتعامل معها بشكل علمي رصين  بعيدا عن منطق ثنائية النجاح أو الخسران المبين إلى أبد الآبدين …

   و هكذا فليس علينا في الأيام الأخيرة قبيل الامتحان إلا أن نغلب المشاعر الإيجابية و ندعو بصمت لأبنائنا أو إخواننا الممتحنين ، و نتجنب كل ما قد يوحي بأنهم ماثلون فعلا أمام المقولة الشهيرة : “يوم الامتحان يعز المرء أو يهان”، لنجعله يوما متميزا فقط لا يوم حياة أو موت ، لنعتبره معركة واحدة لا كل الرهان ، معركة واحدة  فقط يمكن أن تكسب كما يمكن أن تخسر ، ليبقى الرهان الحقيقي كل الرهان هو  كسب الحرب ضد عقبات الحياة بسلاح العلم و مكارم الأخلاق.

إذن لنكن ما أمكن ايجابيين و لفرص النجاح موسعين ،  و ليكن اليوم الأخير قبل الامتحان يوم سكون و هدوء تختمر فيه المعرفة و تفتح فيه نوافذ الأمل على  الآفاق الرحبة البعيدة …

اترك تعليقاً