المتلقى الدولي السنيمائي لجامعة س. محمد بن ع. الله يستأنف فعالياته صباح اليوم/تقرير: عبد العزيز الطوالي

     اليوم الثاني من فعاليات الملتقى

      استأنف الملتقى الدولي السنيمائي أشغاله في الشق الفكري الثقافي بمركز الندوات والتكوين صبيحة اليوم الخميس 26 دجنبر 2019م، ابتداء من الساعة العاشرة. حيث نُظِّمت جلستان علميتان ترأسهما المخرج عبد الإله الجواهري الذي شكر السادة المتدخلين، وعرض مواضيع مداخلاتهم العلمية.

 وكانت المداخلة الأولى عبارة عن قراءة في فلم “دموع الرمال للمخرج عزيز السالمي” قدمها الأستاذ الدكتور الناقد السنيمائي الحسان احجيج الذي أكد في بداية مداخلته على أن الجميل في الملتقى هو حضور البشير الدخيل وتكريمه خلال الدورة من جهة ، ومناقشة  قضية الوحدة الوطنية ؛ التي لا تقبل التفاوض أو المناورة او البروباغندا، داخل الجامعة من جهة ثانية، بعدما كانت طابوها يمنع الاقتراب منه، محصورة في نطاق محدود جدا، ومناخ التعبير الحر هذا، جاء نتيجة مجموعة من الجهود والمعارك التي مهدت  الطريق للتعبير وحرية الرأي في القضايا المصيرية كقضية الصحراء التي لا يمكن ربحها في نظره إلا بالاعتماد على:

  • البعد الإنساني الذي عليه إجماع كوني، خاصة وأنه من الثابت وجود خروقات حول حقوق الإنسان بتندوف، إضافة إلى الطرد الذي تعرض له المغاربة من الجزائر؛

  • مشروع الإنصاف والمصالحة وجبر الضرر الذي كان خطوة حقوقية متقدمة بالمغرب يجب تثمينها؛

  • المجلس الوطني لحقوق الإنسان يشكل أرضية لمناقشة القضية وأخذ مبادرات جادة بشأنها تحفظ الذاكرة التي يسعى الخصوم إلى طمس معالمها وخلق شعب بدون ذاكرة بتجييش نظامي ممنهج.

      كما قدم تعريف وتوصيفا وتقويما علميا للفلم الذي تناوله في قراءته النقدية، مشيرا إلى أن أهمية السنيما تكمن في في البعد الجماهيري الذي تتميز به، مما سيسمح بتقليص البروباغندا. فـ”فلم دموع الرمال” فلم طويل تبلغ مدته مئة وسبع دقائق، استطاع المخرج من خلاله أن ينقل بالصورة معاناة المحتجزين المدنيين بتندوف( العنوان يدل على الألم والتيه )، بكل أشكال صور المعاناة و الألم والتعذيب، فهو يلخص صفحة دموية من تاريخ قضية الصحراء المغربية كانت للمخرج الجرأة ليستعرضها عبر شخصيات تكاد تتماهى مع “الأبطال” الحقيقيين لمحتجزي مخيمات العار بتندوف، كما امتزج في الفيلم “التسجيلي” و”التخييلي”، وهذه الخلطة هي التي منحت “دموع الرمال” الرسالة الإنسانية التي أراد المخرج نقلها بالصوت والصورة وأداء أبطال الفيلم، عبر عدسة نجحت في فضح جحيم تندوف. فالفلم إذن خطاب سياسي حقوقي إنساني، كما يعطي درسا في الوطنية، ويمثل وثيقة مهمة في الدبلوماسية الموازية.

      أما المداخلة الثانية فوُسمت بعنوان” الخطاب الفيلمي والوظيفة: قراءة في أفلام حول الصحراء المغربية”، وكانت من تقديم الدكتور محمد طروس، حيث بين فيها كيف يستطيع الفيلم أن يؤثر ويقنع؟ وما الأدوات والآليات التي تجعله يحقق ذلك؟، وفي هذا أشار إلى الفرق بين الخطاب والرسالة، مركزا كلامه حول الخطاب الذي يعتبر جهازا مفاهيميا من الضرور أن يتضمن خلافا وقضية وصراعا وموقفا وموقفا مضادا، وفي السنيما لابد من تحويل الحكاية إلى خطاب بعيدا عن البروباغندا، وتمجيد الذات، وجعل الآخر ممثلا للشر.

ولضمان الجانب التأثيري في السنيما لابد من مراعاة ثلاث استراتيجيات في نظر طروس، وهي:

  • الفيلمية: بمعنى كيفية بناء الفلم، وضمان التواصل مع المتلقي المتنوع (متلقي مع، متلقي ضد، متلقي بينهما) والتركيز على المتلقي الموجود في الوسط مع تعزيز المتلقي المؤيد للموقف، ثم تنويم المشاهد قصد نزع القدرة على المقاومة منه.

  • الحكائية: هي عملية إدخال المتلقي في الحكاية، وجعله يتماهى مع شخوصها ويتبنى مواقفها وقبول كل شيء صادر منها.

  • التعزيز: تعزيز المواقف التي تبناها المتلقي لتثبيتها عنده.

      كما قدم المتدخل قراءة نقدية في فلم ” المسيرة الخضراء” برؤية من الخارج، أي دون الاهتمام بالقضية التي يعالجها على مستوى القراءة والتحليل لا الواقع.

وهذا الفلم تبلغ مدته تسعين دقيقة وهو من إخراج يوسف بريطل سنة 2016، و بطولة كل من مراد الزاوي، محمد الشوبي، محمد خيي، السعدية أزكون،نادية النيازي، و إدريس الروخ، ويحكي الفيلم عن ذكرى المسيرة الخضراء، ومما ورد في نقده له، كون الفيلم لا يتضمن قضية ويستحيل أن يؤثر، كما أن شخصياته المشاركة سلبية، والفئة الموجه لها غير واضحة.

      وساهم المخرج السنيمائي المغربي داود أولاد السيد – الذي تحضر الصحراء في أعماله كفضاء -بمداخلة مقتضبة افتتحها بتساؤل تجلى في: إلى أي حد يمكن استثمار السنيما في الدفاع عن القضية الوطنية؟ وما الموضوع الذي يمكن تناوله خلال معالجة القضية سنيمائيا؟، وفي الإجابة عن هذا التساؤل ضرب أمثلة لنماذج فلمية أمريكية وروسية ونازية نجحت في التأثير والدفاع عن القضايا التي صُنعت من أجلها، كما دعا إلى تغليب الجانب الإنساني والجمالي على الأعمال السنيمائية الموجهة لخدمة القضية الوطنية، وإلى العمل الجماعي الذي يلتئم فيه السياسي والحقوقي والفني، وهذا يتطلب ميزانية ضخمة لإنتاج فلم واحد ومشاركة عدة مخرجين لتبليغ الرسالة للعالم.

         كما ألقى منتج فلم ” المليار”، خريج المعهد العالي للصحافة، الناشر الأستاذ عبد السلام المفتاحي مداخلة في الموضوع تخت عنوان” طرق تناول القضية الوطنية بين الحقيقة والوهم” مهّد لها بتساؤل حول مدى فعالية وسائل الإنتاج الإبداعي السمعي البصري وقدرتها على خدمة أهداف وأفكار سامية من ضمنها القضايا الوطنية الكبرى؟ وهل يوجد تواتر وكم هائل من الإنتاج يمكن من الخروج بخلاصات في الموضوع؟، وبعد تساؤله هذا، أكد المتدخل على معاناة الإنتاج السمعي البصري من الشح في معالجة القضايا الوطنية والتراث، وبمقارنة بسيطة على مستوى الإنتاج السنيمائي، فالمغرب ينتج ثلاثين فيلما، في حين تنتج الهند ألفا ومئة فلم، والكم ذاته تنتجه البرازيل، وبالتالي هناك عجز واضح على إنتاج رسالة سمعية بصرية، كما تحدث المفتاحي عن تجربته في تحويل كتاب” الرحلة المعينية” لابن العتيق إلى وثيقة سمعية بصرية تقدم دفاعا خفيا عن القضية الوطنية.

      هذا، وانتهت الجلستان العلميتان بمناقشة تفاعل خلالها الأساتذة والطلبة الباحثين مع مداخلات المشاركين بشكل علمي رصين، مؤكدين على ضرورة احتضان الجامعة المغربية لكل النقاشات التي تهم القضايا الوطنية وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية، وطرحها بشكل علمي رزين بعيدا عن البروباغندا، طرحا يسمح بالتفكير الصحيح من لدن المتخصصين في كل المجالات لإيجاد الحلول الممكنة ، كما أشار المشاركون إلى تجنب الريع الذي ينخر الكثير من القطاعات ومنها الدعم السنيمائي الذي تترتب عنه الرداءة ولا يخدم القضايا الوطنية للمغرب.

     اختتم المهرجان الدولي السنيمائي فعالياته مساء بعرض شريط وثائقي” ركب الشوق”، وتبلغ مدته اثنتين وخمسين دقيقة، للمخرجة المغربية الشابة أسماء المدير، وإنتاج عبد السلام المفتاحي.

اترك تعليقاً