منوعات

مــن طــفــولـتـــي / بقلم : ألـــفــة الـــنــغـمــوش

ورثت عن عائلتي طباعا شقية متهورة لم تسبب لي في طفولتي سوى المتاعب، كنت لاأزال تلميذة في المدرسة الابتدائية حين استهزأت بي ثلاث فتيات مدعيات أنني لا أستطيع أن أشاجر أحدا بدون أي سبب، ولأثبت خطأ قولهن  اتجهت صوب زميلة لي في القسم نظرت في عينيها الخضراوتين الشاحبتين بنظرات حانقة فمسحت الابتسامة عن وجهها الجذاب مدبب الذقن،  ثم انهلت عليها بالضرب كان شعر المسكينة الأشقر المفلفل يبدو مثل كومة قش في يدي وعيناها غشتهما الدموع فأخدت تصرخ وتعض يدي لكن بدون جدوى فلم أفلت قبضتي منها إلا بعد مجيء أستاذ اللغة العربية  برأسه الضخم المفلطح الأصلع الذي يلمع تحت أشعة الشمس الحارقة وقال بنبرته الآمرة الحادة: أفلتيها؟ ! ثم أطبق شفتيه لتوحيا بصرامة تقارب القسوة ، أطعته دون أن أنبس بأية كلمة، أما الضحية فجمعت شعرها برفق في شبكة خلف رأسها وتمتمت بقلب مفجوع لم أقم بأي تصرف عدواني تجاهها يا أستاذي، أكملت كلماتها بصعوبة شديدة وهي تقهقه فثارت أعصاب الأستاد وقال أنه لا يسعه تصديق أن أحدا ما يمكن أن يتشاجر مع زملائه بدون أي سبب ثم أمسكني من أدني متجها نحو غرفة يهابها المشاغبون والمتسلطون. إنها غرفة العقاب فألقاني بها وهو يردد بصوته الجهوري هذا لتصبحي قادرة على التمييز بين الخطأ و الصواب و أقفل الباب الحديدي الصدإ بالمفتاح وذهب ،اعتقدت في بادئ الأمر أنه يمزح فقط ولكن عندما سمعت درجات السلم تئز تحت قدميه أدركت أنه جاد في كل كلمة قالها بعدما انقطع أملي أدرت بصري محملقة في أرجاء الغرفة مثل سجينة في زنزانة انفرادية ، كان كل شيء من الجدران إلى مقعدي مرورا بالسقف و المصباح و الأرض و بعض كؤوس الشاي غارقا في القذارة وبعد مرور ربع ساعة غمرني حر خانق لا يحتمل فجأة انسابت أشعة الشمس الملتهبة لتطرد الظلمة الحالكة  نظرت إليها فخيل إلي أنني لم أعد أبصر شيئا لكن سرعان ما اتضحت الرؤية و أمسكت محفظتي من يدي أستاذ اللغة العربية مهرولة تجاه المنزل لكي لا أقع في المشاكل. وصلت الى المكان المنشود وشمس الظهيرة تميل وتخف حرارتها لتودع حينا ذا السمعة الطيبة ومنازله المتراصة فيما بينها مختلفة العلو كأسنان جارتنا رشيدة، ولو مشى المرء في آخر الحي سيجد منزل محنط واسع جميل بناه صاحب الدار بيده له أربع نوافذ خشبية تطل على شجرة التين العتيقة يتوسطه باب كبير من الأبواب قديمة الطراز، يقطنه ثمانية أشخاص جد وجدة وزوجين وابنتهما المشاكسة العنيدة الأنانية و ابن عمها البدوي. بالطبع إنه منزلي و أسرتي وتلك الفتاة هي أنا

طرقت الباب وإذا بابن عمي البدوي محمد يفتحه فرمقني بعينيه المرحتين اللتين تشوبهما نظرات الشر و الترسب فرفع قبعته الحمراء عن رأسه المكسو بشعر بني أحمر وقال وابتسامة الشر ارتسمت  في شفتيه: سأحتفل هذا اليوم  بكل تأكيد وسأستمتع بمديح الأسرة لك وأنهى كلامه بهمهمة شبيهة بنهيق الحمار، دخلت متجهة نحو الصالة أطللت إطلالة خفيفة محاولة أن أعرف هل كل أسرتي مجتمعة؟ لم يكن هناك جدي فقط اتجهت مسرعة نحو غرفتي لتبديل ثيابي وعندما هممت بالخروج أبصرت جدي جالسا مع باقي أفراد عائلتي كان وجهه شاحب اللون وعيناه غائرتان، اعتدته قليل الكلام  شارد الفكر وكنت لا أرى في وجهه أثرا للعواطف الإنسانية فهو لا يفرح ولا يحزن و لا يضحك و لا يبكي وإنما كان يغضب غضبا شديدا اذا غاضه أمر من الأمور، كما أنه لا يظهر لي أي حنان؛ بل كان يفضل ابن عمي علي . ذهبت بكل أدب وخوف وجلست بالقرب من جدتي وفي هده اللحظة نزع جدي قبعته الكبيرة السوداء الشبيهة بجناحي غراب ونظر في وجهي القرمزي صارخا مكررا لازمته” ستظلين طوال حياتك بدون فائدة ” في حين قالت أمي أنني فظة  شرسة وأنها تخاف علي في المستقبل، أما أبي لم يقل شيئا بل رفع يده القاسية إلى أن كادت أن تلامس السقف، وهنا كان محمد مترقبا بفارغ الصبر لكن جدتي منعته في الوقت المناسب وقالت أنني مازلت صغيرة  وهذه هي تصرفات الأطفال فضمتني إلى صدرها الدافئ الحنون وربتت على كتفي لتطمئنني، هذه هي جدتي رحمها الله كانت تكن لي حنانا عظيما لسبب أجهله كان الأمر غريبا حقا، جدي نفسه سئم مني في طفولتي و جيراننا جميعهم يعتقدون أنني فتاة لا خير فيها ويتجنبون التعامل معي.  أما تلك المرأة المسنة  فكانت مولوعة بي تماما أنا من جهتي سلمت بأنني لست من الصنف المحبوب ولم تعد تزعجني معاملة الآخرين الفظة لي ، وهذا ما كان يجعلني أستغرب اهتمامها بي. أمسكتني من يدي وأنا أبكي من شدة الخوف وذهبت بي إلى غرفتها وأخدت تثني علي وتتغنى بما تراه في من أطباع مستقيمة كالاجتهاد، لم يكن لدي أي تصور لما كانت تتحدث عنه فأجبتها بأنني لا أتحمل الإطراء فنظرت إلي بإعجاب و قالت إن هذا يدل على مدى طيبتي كانت وكأنما تعتز بصورة عني من نسج خيالها كان في الأمر سر يبعث الريبة ناولتني سكاكر ونمت بجانبها.

في صباح يوم الغد ذهبنا عند خالتي في الحي المقابل للاطمئنان على صحتها رحبت بنا أفضل ترحيب وأشارت إلينا بالدخول، جلسنا في الصالة  ناولتنا كؤوسا من الشاي كان كريها طعمه مر و كثيف حتى أن فنجانا آخر كفيل بالتسبب بتشنج في المعدة ،بينما كانت تتدوقه بتصنع وبدأت النساء في حديثهن كالعادة  عن أمور الحي و النفاقات اليومية وتدمرهن من أجور أزواجهم و أحاديثهم  تختلط بأصوات اللعق و المضغ  بينما محمد و ابنة خالتي كانا منهمكين في تدبير مكيدة لخداعي  وهما جالسين في ركن من غرفة بها بعض الأواني التدكارية القديمة، تبهرالأنظار و تخلب الألباب ،عزيزة على قلب خالتي حتى أنها منعت الصغار من الدخول إليها فحملني الفضول إليهما لأعرف ما الذي يخططان لفعله و حين وصلت حمل محمد مزهرية غالية اشترتها من مراكش بها نقوش تحير الناظر إليها حاولت تنبيهه من خطورة ما فعل لكنه ألقاها وبعد هنيهة دخلت خالتي تولول مسرعة نحونا وعند وصولها جحظت عيناها و تيبس جسمها بينما أمي ظلت متخشبة في مكانها  فشرعت في السؤال عن الفاعل مشيرة بسبابتها نحوي  فأجبتها صدقيني لست أنا بل هما، وهنا محمد

قاطعني وصوته الأنثوي يكشف عن مدى توتره بل هي التي قامت بتكسيره، وبثينة أيضا رأت ذلك فهزت رأسها موافقة إياه الرأي فحملقت في وجههما متوعدة إياهما وأنا حائرة كاللبؤة حين يحاط بها فلا تجد سبيلا للنجاة . نظرت في عيني أمي الواسعتين السوداوتين كطفل بريء في محنة لعلها تصدقني  لكنها رمقتني بنظرات لاسعة كالسياط في طرفيهما غضب شديد و فوقهما حاجبان غليظان مائلان إلى الأعلى، في بشرة وجهها البيضاء بياض، واضعة يديها فوق خصرها فبدت كتمثال رائع من المرمر زهرة المنيوليا، وهنا جدتي انتصبت كعمود نور أمامي  فنفت ما قاله محمد ناعتة إياه بالكذاب  وبالرغم من دلك لم تغير صاحبة المنزل رأيها بل أصرت عليه فاعتدرت أمي نيابة عني وانصرفنا في الطريق كانت جدتي تمتدحني وتقول أن أطباعي مستقيمة و صافية  كعود خيزران لا تسمح لي بفعل أمر كهذا، أما أمي فقالت بل هي طائشة إلى حد ميئوس منه . وعند وصولنا إلى المنزل أخد يسرد محمد أكاذيبه على مسامع جدي في حين تململت وضقت ذرعا في مكاني وتملكني غضب شديد فتناولت أحد أحجار الشطرنج  الخاصة بذلك العجوز ورشقته بها بين عينيه فأخد ينزف، وعقابا لي لم أذهب معهم للتنزه  في نهاية الأسبوع.

وللأسف لم تقتصر متاعبي على ما ذكرت بل وقعت في الكثير من الورطات ذات مرة من أيام العطلة الصيفية ذهبنا إلى البادية حيث العائلة مجتمعة ولكي أنتقم مما سببه لي ابن عمي من مقالب ومشاكل، أقنعته بخوض تحد ضدي واستدعيت أصدقائي ليحكموا بيننا بهدف إبراز قوتي وهبتي، فطلب مني القفز على جدي الذي يصعب التحكم بتصرفاته كتصرفاتي، فقفزت بنجاح، ثم أمرته أن يغمض عينيه بمنديل ويتبعني دون أي معارضة ولكي أمنعه من التردد قلت له: أأنت خائف؟ فأجاب بالنفي أمسك يدي وقدته نحو بئر جاف لا يتجاوز المتر. وقف عند حافته وقلت له: أمستعد؟ فظهرت عليه علامات الفزع و القلق وكذلك الآخرين، وقبل أن ينزع المنديل ألقيته به و وعدته بإخراجه بعد آذان المغرب، أما المدهوشين فقلت لهم ستشاركونه المعاناة نفسها إن أبحتم بشيء ما، وبعد الوقت المحدد للعقوبة، أخرجته من هناك لكن عند وصولنا إلى المنزل أخد الجبان يصرخ و يبكي وحكى كل ما جرى على مسامع الملإ، و بدأت معاناتي المعتادة،  جدي يكرر لازمته ، وأمي تصرخ وتشتم وهي تضربني ولحسن حظي لم يكن أبي موجودا وإلا ضربني أضعافا مضاعفة. هذا التصرف جعل الجميع يتجنب اللعب معي فكنت أحس بالملل و في أحد المرات كنت جالسة في المطبخ أقلب خصلات شعر دميتي، اتجهت أنظاري نحو مقص متموضع على طاولة قربي أمسكته ودسسته بين ملابسي مسرعة نحو الكوخ لانفذ فكرتي الشيطانية، أمسكت رقبة دجاجة وقصصت ريشها، ثم دجاجة أخرى كنت أخرج إبداعاتي بها وهي تصيح وتغرز مخالبها بيدي، لم أبال بل كنت أستمتع و الريش يتطاير حولي  الى أن جاءت عمتي بعصا زيتون أخضر وطويل . آه كم تألمت حينها ! في ذلك اليوم أجمع الجميع على أنني شبيهة بالحمقاء، أما جدي فقال لعنك الله يا ألفة، في حين قلت له: أيتقبل الله الدعاء من الملعونين؟؟

وأتى يوم غير مجرى حياتي فيه تبدلت طباعي، تصرفاتي و أخلاقي و كل شيء، وهو يوم وفاة سندي الأول، إنها جدتي أحسست بالوحدة و التيه بعد فقدانها حتى أنني أحببت النوم كثيرا لعلي أراها في احلامي .

اشتقت اليها كثيرا كما  يشتاق الولد لأمه أو المهاجر لوطنه.

اترك تعليقاً