الفكر الحر المزهرية الثقافية

بعد خمس سنوات.. الربيع العربي ذبل ولم يمت

أحمد الشيخ : رئيس تحرير الجزيرة سابقا

لسماع المقالة صوتيا انقر هـــــنــــا

هل أخفقت ثورات الربيع العربي وانطفأت أزهارها تحت وهج ما يسمونه الثورة المضادة, على أني أفضل شخصيا أن أسميه الحراك النقيض, ضنا عليه بكلمة ثورة لما تنطوي عليه الكلمة من قدسية في ضمائرنا, فهل أخفقت الثورة؟ أم إن بذورها ما تزال حية تنتظر غيثا من جديد؟

ولماذا لم تتفتح تلك الموجة الأولى من ثورات الربيع العربي عن قيادات ثورية حقيقية ذات رؤية, تستلهم مشروع التغيير الثوري وتلهمه؟

وهل أن مقياس الحكم على نجاح الثورة هو مدى نجاحها في إرساء نظام حكم ديمقراطي وفق منظور الديمقراطيات الغربية؟ أم إن تلك خطوة تالية تُستحق بعد أن تجرف الثورة كل ما يتصل بأدوات وسياسات ورموز النظام العميق وترسي مكانها أدواتها وسياساتها ورموزها في مرحلة التمكين الثوري, قبل الانتقال إلى مرحلة التمكين الديمقراطي الحقيقي على أسس الانتخاب الحر والمواطنة والمساواة والعدل الاجتماعي , حتى لا يتحول التمكين الثوري إلى “تأبيد ثوري” كما آلت إليه الثورة البلشفية وغيرها من ثورات اليسار.

أما القول بأن ثورات الربيع العربي أخفقت في موسمها الأول, فهو إما حكم متسرع من جانب ثوريين قنطوا ولم يعودوا يروا في الأفق ما يبقي الأمل حيا, أو هو موقف رموز الحراك النقيض الذين ينعقون على الدوام بما هو في غير صالح الأمة, إذ هم أعداء التغيير, أو هو قول نفر من ليبراليين ويساريين, كما يزعمون, لا يقبلون من الفكر ومن النجاح ومن الأنظمة إلا ما وافق هواهم.

ثورات الربيع العربي لم تمت وإن ذبلت شوكتها, ولا يعجز من يدقق النظر في رصد بعض ما تتشقق عنه أرض بلدان الربيع العربي, بل الوطن العربي كله, من إرهاصات لما هو قادم.

ففي مصر, التي انقلب فيها العسكر وأزلام النظام القديم على الثورة انقلابا مدويا, ألم يقاطع الناس بقضهم وقضيضهم وبمختلف انتماءاتهم الحزبية الانتخابات الأخيرة لمجلس الشعب بشهادة العالم كله؟ وكانت هذه المقاطعة صفعة للحراك النقيض أدمت وجه رئيسه ورموزه, ونزعت عنه آخر ورقة توت يستر بها عورته القبيحة, وأثبتت للدنيا ان بذور ثورة الخامس والعشرين من يناير كامنة في النفوس, وأن زخم التوعية التي نشرتها في النفوس, وفي نفوس الشباب بالذات, ما زال متحفزا لجولة جديدة ستموج بها الشوارع والميادين, في لحظة حرجة وبكتلة حرجة, لن يستطيع العسكر كبح جماحها مهما اشتد البطش وتمادى أعداء الثورة.

“ثورات الربيع العربي لم تمت وإن ذبلت شوكتها, ولا يعجز من يدقق النظر في رصد بعض ما تتشقق عنه أرض بلدان الربيع العربي, بل الوطن العربي كله, من إرهاصات لما هو قادم “

ومن يتابع ما يطرحه هؤلاء الشباب من افكار وآراء على صفحات التواصل الاجتماعي, سيدرك أن كل وعود الانقلابيين تبددت وانكشف سرابها. فدوائر الحراك النقيض لا تدرك أن واقع البلاد بعد الثورة لا يعود كما كان قبلها. ذلك أن الثورة, وإن أخمدت مؤقتا, تكون قد حققت أحد أهدافها الهامة وهو إصابة جسد النظام القديم ومجتمعه بالوهن فغدا أضعف وأكثر اعتلالا عما كان عليه قبل الثورة.

ولذلك, فقد تسلم الانقلابيون في مصر بلدا تعمل في جسده حمى الثورة التي لا يستطيعون إدراكها, بصلفهم وغرورهم, فالحمل عليهم أثقل والمسؤولية أفدح. وهذا هو جوهر التغيير الثوري إذ هو يترك, رغم انحساره, لمن يوقفونه مؤقتا ميراثا ينوء بهم. والوهن الذي يخلفه الفعل الثوري لا يعالجه إلا الفعل الثوري نفسه إذ يعود من جديد.

وما عجز النظام الانقلابي عن التصدي لمشاكل مصر الكبرى إلا نتيجة لذلك الوهن, رغم ما تدفق على خزائن النظام وجيشه ورموزه من عشرات بلايين الدولارات من بعض الدول العربية, التي راهنت على الانقلاب خشية من الثورة.

وربما أدرك السيسي مخاطر القطيعة بينه وبين فئات الشباب في مصر, فطرح أمامهم أخيرا وعدا سرابيا جديدا بتوفير مئتي مليار جنيه في السنوات الخمس القادمة, لما سماه المشاريع الشبابية. نسأل الله ألا يكون مصير هذه المليارات كمصير مليارات مشروع توسيع قناة السويس, التي تستدين الآن لتمويل عملياتها بعد أن كانت مصدرا هاما لدخل البلاد من العملات الأجنبية الصعبة.

هذا في مصر, أمافي تونس, رائدة ثورات الربيع العربي, فإن الباب ما زال مفتوحا أمام تجدد الفعل الثوري الذي لم يكتمل. ورغم أن ثورة تونس لم يخمدها انقلاب عسكري كما حدث في مصر, فإن النظام العميق تمكن من العودة إلى سدة الحكم تحت عباءة الباجي قائد السبسي, منتهزا في ذلك الروح التصالحية التي أبدتها القوى الثورية, وما يتحلى به رموزها من بعد نظر, وفهم جديد للواقع والانتماء الحزبي الديني.

وربما كانت تلك الروح التصالحية دليلا على أن الثورة لم تنته, وأنها ما تزال تؤثر في المجتمع, وتكشف زيف رموز وسياسات وأدوات النظام القديم. فمرة أخرى يكشف الوهن الذي خلفته الثورة عجز النظام القديم العائد للسلطة. فقد أدى إخفاق حزب نداء تونس الحاكم في مواجهة مشاكل البلاد إلى تصدعه وانقسامه, وإن استمر الاستعصاء في مواجهة المشاكل الاقتصادية والأمنية, فقد يكون لزاما تجدد الفعل الثوري.

وبجوار تونس في ليبيا ما تزال الثورة في مرحلة الانجاز الميداني, رغم ما فرضته عليها القوى الخارجية من انقسامات, ومن تدخلات النظم الانقلابية المجاورة, وإملاءات يحاول المجتمع الدولي فرضها على طرابلس, سعيا لإعادة شكل ما من أشكال النظام العميق القديم, إلى جانب ما يثيره وجود تنظيم الدولة في ليبيا من مشاكل تعوق مسيرة الثورة وتوفر لخصومها حججا وفرصا للتدخل ووأد الحراك الثوري قبل أن ينضج وينتصر.

وفي الجناح الآخر من الوطن العربي فإن سوريا تستنزف لكن ثورتها تقاتل وتأبى الاستسلام. جيش النظام وهن حتى العظم واستجدى العون, فلا أحزاب إيران المتشدقة بمفردات المقاومة, ولا ميليشياتها الطائفية استطاعت أن تهزم الثورة, ولا روسيا القيصر الصغير, التي هبت لنجدة النظام وأعوانه نجحت بعد أكثر من مئة يوم من القصف الجنوني في استلاب الأرض من الثوار. ولا استطاع تقاعس بعض العرب أو تآمرهم, أو جنون تنظيم الدولة ودوره المشبوه, ولا نفاق الغرب ونفاق بعض الأقليات العرقية, أن يفت من سواعد الغالبية السورية الثائرة من أجل العدل والحرية.

“الوعي الذي فجره الربيع العربي تظهر بشائره في العراق. يخرج العراقيون في وسط البلاد وجنوبها وفي بغداد, هاتفين ضد الفساد وضد الهيمنة الإيرانية, ويقتل بعض رموز الحراك المطالب بالتغيير والإصلاح غيلة برصاص ميليشيات إيران والنظام المحسوب عليها في بغداد.”

في سورية ارتوت أرض الشام بدماء الشهداء ودموع النازحين وأنات المشردين في مخيمات اللجوء, فلا يمكن أن يقبل الشعب السوري, ولا العرب المخلصون معه في كل مكان, أن يعود الوضع كما كان. وكل من يستقرئ تاريخ الثورات على غرار ثورة سوريا, سيدرك أن النصر قادم لا محالة, وإن طال الصراع واشتد النزيف.

ومع أن ثورات الربيع العربي لم تكتس بها بوادي العراق ومدنه كما في تونس ومصر وسوريا واليمن, فإن الوعي الذي فجره الربيع العربي تظهر بشائره في العراق. يخرج العراقيون في وسط البلاد وجنوبها وفي بغداد, هاتفين ضد الفساد وضد الهيمنة الإيرانية, ويقتل بعض رموز الحراك المطالب بالتغيير والإصلاح غيلة برصاص ميليشيات إيران والنظام المحسوب عليها في بغداد.

وفي اليمن, استدرجت الثورة عبر الحوار المطول والاستغفال الملتبس بالتقية الإيرانية إلى انقلاب كامل المواصفات, كما في مصر. ولولا أن القوى العربية في الجزيرة أدركت, ولو متأخرة, المخاطر القادمة إن لم تتحرك, لأصبح اليمن عراقا آخر في الخاصرة الجنوبية الغربية للجزيرة. وما زال الصراع في اليمن قائما ولا بد أن ينتهي لصالح الأغلبية اليمنية ولصالح الجزيرة العربية برمتها مهما كلف الأمر, إذ إن نقيض ذلك هو هيمنة فارسية طائفية لن تعرف المنطقة معها استقرارا, وليس بطش القرامطة بالإنسان والمقدسات منا ببعيد.

إذن فثورات الربيع العربي ما تزال حية, بعد خمس سنوات من أول هتاف دوى في الميادين بسقوط أنظمة تأبدت وطالت سكناها على الكراسي, وفتك فسادها بالأمة أيما فتك.

وأما الحديث عن النجاح, فتلك مرحلة متأخرة لا يمكن الخوض فيها ما لم يكتمل الفعل الثوري ويتبوأ السلطة, ويضع حدا للنظام العميق المتحكم بمفاصل الحياة وبآليات التطور في مجتمعات بلدان الربيع العربي.

ولكن لماذا لم تفرز تلك الثورات حتى الآن قيادات سياسية وثورية وشعبية تستلهم وتلهم وتقود ولو على المستوى القُطري؟

قد يقول بعض المحللين إن تلك الثورات اندلعت على نحو مفاجئ, وأخمدت قبل أن تظهر القيادات البارزة وخاصة في مصر وتونس. غير أن هذا تحليل قاصر لا يراوح سطح المسألة, إذ المفروض أصلا أن تندلع الثورات بقيادات ملهمة تمرست في الفكر والمعرفة والفهم والعمل الحزبي والحراك النضالي, وجربت سجون الطغيان والاستبداد.

لكننا نلاحظ أن ثورات الربيع العربي اندلعت من دون مثل تلك القيادات واتسمت بطابع شعبي عام, اللهم إلا أن يقول قائل إن قيادات الإخوان المسلمين في مصر, وقيادات حركة النهضة في تونس هي نموذج من تلك القيادات المقصودة التي قادت الفعل الثوري, على رأس جماهير الإخوان في ميدان التحرير وفي تونس وغيرها.

وبصرف النظر عن مدى وجاهة هذا القول, فإن ثورات الربيع العربي لم تفرز حتى الآن تلك النماذج القيادية الجديدة فكرا وثقافة وتجربة, ويظل السؤال لماذا؟

بعد الحربين العالميتين, وما شهده الوطن العربي من تقسيم واستلاب واستعمار, اندلعت ثورات وحركات تحرر ونشأت أحزاب منها ما يستلهم التجارب العالمية وخاصة اليسارية, ومنها من يستلهم الهوية العربية القومية والهوية الإسلامية وما يتصل بهما من ثقافة.

“أزعم ان ثورات الربيع العربي لم تفرز حتى الآن قيادات ملهمة ومحركة تأخذ مكانها المناسب في التاريخ. لا بد ان نعود إلى المنابع الأصلية التي تلهم الثقافة الجامعة من عروبة وإسلام, وهذا هو دور الجميع من مفكرين ومربين ووسائل إعلام ومناهج تعليم. وقد لا يكون نشر الأفكار بين الأجيال الشابة والناشئة عسيرا في زمن أدوات التواصل الاجتماعي”

وظهرت من ذلك المخاض قيادات ناضلت من أجل الاستقلال والوحدة العربية والأسماء كثيرة, ولعل أبرزها عبد الكريم الخطابي وسعد زغلول وعبد القادر الحسيني وحسن البنا وجمال عبدالناصر وأحمد بن بيلا والحبيب بورقيبة وغيرهم.

في ذلك الزمن كانت الهوية العربية الجامعة هي العنوان وكان الإسلام هو الرديف, وكانت الثقافة الشعبية والجماهيرية تنبع من هذين البحرين وتصب فيهما. كانت الناس تدرك الوشيجة العربية التي تصل بين أقطارها مهما تباعدت المسافات وتعاظمت المخاطر. فحين علم أهل الشام بثورة الخطابي بعد بضعة شهور من قيامها, إذ لم تكن هناك اتصالات سريعة وفورية كما اليوم, خرجوا يتظاهرون تضامنا وتأييدا.

آنذاك كانت التربية ومناهج التعليم لا تغفل الهوية العربية رغم الاستعمار ورغم سطوة انظمة الاستبداد التي تلت مرحلة الاستقلال, أو هكذا. لو سألت آنذاك المصري من أنت لقال: عربي مصري, ولو سألت المغربي لقال عربي مغربي وهكذا على كل الأقطار العربية.

وطال زمن الاستبداد باسم القومية والقُطرية, وضاعت فلسطين وقامت إسرائيل, وتوالت هزائم العرب من 1948 مرورا ب 56 و67 وكارثة كامب ديفيد واحتلال بيروت عام 82 وكارثة أوسلو واحتلال بغداد عام 2003. وكانت الضحية هي الهوية العربية التي غيبت تدريجيا لخدمة الأنظمة القطرية المتشظية.

تراجعت جرعة الهوية القومية الجامعة في مناهج التعليم وفي وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري وحلت محلها شعارات.”…أولا”. (ضع في الفراغ اسم البلد العربي الذي تريد). وإذ تكرر الفشل والهزائم كفرت شريحة واسعة من الشعوب بالفكر القومي من دون أن تعتنق منه بديلا. وانقلبت بعض القوميات التي تساكن العرب أرضا وديارا وأخذت تنادي بالانفصال, بل إن جنوب السودان نجح في مسعاه وقام فيه نظام يحجب الوطن العربي عن وسط إفريقيا الذي ما انغلق يوما أمامه.

لهذا كله أزعم ان ثورات الربيع العربي لم تفرز حتى الآن قيادات ملهمة ومحركة تأخذ مكانها المناسب في التاريخ. لا بد ان نعود إلى المنابع الأصلية التي تلهم الثقافة الجامعة من عروبة وإسلام, وهذا هو دور الجميع من مفكرين ومربين ووسائل إعلام ومناهج تعليم. وقد لا يكون نشر الأفكار بين الأجيال الشابة والناشئة عسيرا في زمن أدوات التواصل الاجتماعي.

قبل أيام علق حفيدي على ظهر الطاولة فخشي وقد تدلي أن يسقط فسمعته يصيح بلغة فصحى “انقذوني..انقذوني”, ولما سألت والدته كيف تعلم ذلك قالت “إنه يشاهد قنوات جيم وبراعم التي تنطق بالفصحى”. أو ليس في هذا عبرة يمكن أن نستقيها في عصر التواصل الاجتماعي لبناء هويتنا العربية الإسلامية الجامعة, وعندها وبها ستظهر من رحم الأمة قيادات تحرك رياح التغيير وتلهم العمل الثوري وتستلهمه.

المصدر : الجزيرة

الرابط من هنا

 

اترك تعليقاً