حراك الريف بين المشروعية و التحريف / بقلم : حسن بوعجب

حراك الريف بين المشروعية و التحريف / بقلم : حسن بوعجب

     تحية لساكنة الحسيمة على روحها النضالية العالية وعلى ثقافتها الاحتجاجية المسئولة، وتحية لكل الشرفاء الغيورين على  المنطقة وعلى تاريخها المشرق وعلى مستقبلها الواعد بإذن الله، نضالكم أيها المواطنون الريفيون الأحرار نضال مشروع وجل مطالبكم سليمة ومعقولة، لكن بصراحة ما يخيفنا و يرهبنا هو أن تتسلل إلى نضالكم الحميد أياد تحاول أن تجعل من صرخاتكم وقودا يؤجج نزعات الانفصال والتفرقة عن وعي أو عن غير وعي، ذلك أنه إذ أنتم تحتجون وتنتفضون وترفعون عاليا سقف مطالبكم بما يسهل عليكم عملية التفاوض ويضمن لكم أكثر المكاسب قد تستعر فيكم حمية الانتماء الضيق، فتصلون مستوى من التحدي يظهر لكم فيه أنه من الضروري و الاستراتيجي رفع أي شعار والتهديد بكسر أي جدار، مما سيعقد الأمور لا محالة  وسيجعل في الأخير الإجابة عن مطالبكم مستعصية لأنها ببساطة انتقلت من لغة المطالبة إلى لغة التهديد الأقرب إلى المساومة .

         شخصيا معجب بحسكم النضالي الرفيع وبوعيكم وبصلادة معدنكم وبأعلامكم المرفرفة المعبرة عن تاريخ منطقتكم، لكن للأسف سرعان ما يتبخر من قلبي هذا الشعور بالإعجاب والاستبشار لما أجول ببصري كل زوايا المظاهرات ولا أجد أثرا للعلم الوطني الرسمي الذي يعد حضوره بكثرة أو بقلة علامة فارقة و حاسمة تدفع عن نضالكم المجيد كل شبهات الانفصال أو القبلية الريفية الضيقة، صحيح أنه لا أحد يمكن أن يمنع الفرد من رفع علمه القبلي الخاص مثلما يرفع حتى مشجعو الفرق الرياضية أعلام فرقهم بكل فخر، لكن أن يتم تغييب العلم الوطني الذي يجمعنا جميعا من طنجة إلى الكويرة ليس له إلا أن يبث في نفوسنا الخوف من المستقبل، ليس فقط من جهة خوفنا على اللحمة الوطنية من عصر ملوك الطوائف بل أيضا من جهة خوفنا على الحراك النضالي بالبلد ككل، إذ سيصير بمثل هذه الطريقة في مرمى التخوين بسرعة سواء من طرف جهة جهات رسمية تبحث عن أدنى الأسباب لتخوين التحركات الشعبية المشروعة، أو من طرف حتى المزاج الشعبي العام الذي لا يستسيغ نبرة التصعيد و التطرف خصوصا مع ما أصبح يشاهده من دمار يلحق الدول التي انجرت إلى خيار الثورة الهوجاء .

     وعليه فحتى يحمى الحراك الريفي من التخوين ومن النفور الشعبي عليه أن يجعل في مقدمة زحفه العلم الوطني الرسمي وأن يدفع عنه كل شبهات الانفصال والعمالة للخارج بشتى الطرق التواصلية الممكنة، وهنا يمكن أن نعطي له المثال بحراكات شعبية في مناطق أطلسية مختلفة خرج فيها المواطنون صارخين بمطالبهم الاجتماعية المشروعة وفي نفس الوقت رافعين العلم الوطني الرسمي مما نفى عن تحركاتهم منذ البداية كل الاتهامات الجائرة الجاهزة و حقق لهم نسبيا قدرا معقولا من المكاسب .

      لكن من جهة ثانية على الدولة بالمقابل أن تنظر باحترام لمطالب المحتجين بغض النظر عن خلفيات بعض المغرر بهم، وذلك حتى يسحب البساط من تحت من يريدون الركوب على المطالب السياسية والاجتماعية المشروعة، دون أن يعني هذا بالطبع التسرع الأعمى و الاستجابة لكل المطالب بما قد يقوي أجنحة الانفصال وبما قد يخل بالتوازن المفروض في تنمية الوطن ككل، فليس من المعقول إطلاقا أن يدلل كل الدلال ذلك المهدد بالانفصال ويغبن مثلا ذلك الأطلسي المغبون في قمم الجبال والذي  لا يعرف شيئا عن ثقافة الاحتجاج والنضال، ولا تسمع منه حتى في خلوته إلا عبارات الولاء و الإخلاص لرموز الوطن رغم أنه غارق في الفقر المدقع وفي التهميش بشتى صنوفه . وإلا فإننا بهذا المنطق المدلل للمنتفض و المهمش للظريف سنصير مشجعين بطريقة أو بأخرى على التمرد و على لغة الابتزاز و التهديد بالانفصال …

        إجمالا يمكن القول أن نضال الريف نضال مشروع لا ينبغي تخوينه و في نفس الوقت لا ينبغي تدليله كل الدلال، و بعبارة أخرى لا يسع  المغربي الحر في الأخير  إلا أن يحيي نضال الريف و يعمل على نقده و إرشاده في نفس الآن، حتى يصير مع المدة نموذجا حضاريا يحتذى في المطالبة بالحقوق بشكل سلمي و عقلاني في وفاء تام للرموز الوطنية التي توحد كل البلد.

اترك تعليقاً