كوكب الأرض بين المسطِّحِين والمكوِّرِين / أشرف غريب

       كثر اللغط في أيامنا هذه حول قضية “شكل كوكب الأرض” في منظور القرآن الكريم والسنة النبوية، هذا الموضوع الذي كان مُثارا منذ قديم الزمن، قام بإحياءه ثلة من المسلمين، من بينهم باحثة مصرية في الفيزياء هي الدكتورة “سناء زيادة”، فقبل شهر تقريبا من الآن، نَشَرت لها مقطعا مرئيا على موقع اليوتيوب([1]) تقول فيه ما ملخصه: “شكل كوكب الأرض مسطح ومستو ومبسوط، وليس شكله كرويا كما تقول الغالبية الساحقة، وإن المرجعية والمستند في ذلك أولا قبل كل شيء، هو القرآن الكريم، ففيه -حسب قولها- الأدلة والبراهين الواضحة على ذلك”. وتقول: “إنه ينبغي لنا كمسلمين التمسك بهذا المستند (القرآن) لأنه كلام اللهِ خالقِ هذا الكون، وبالتالي، فلن نكون نحن البشر أعلمَ بكوكب الأرض من خالق البشر”. هذا هو ملخص قولها، وبما أن خبر هذه الباحثة قد انتشر، وقولها -القديم الجديث- المثير للجدل قد ذاع، فقد تمت استضافتها على قناة “الحدث اليوم” في حلقتين من برنامج “مع منال أغا”، أولها كانت بتاريخ 15/01/2018([2])، والثانية بتاريخ 05/02/2018([3])، وذلك “بعد تلقي القناة طلبات كثيرة جدا بإعادة طرح موضوع كروية الأرض بتفاصيل أكثر” حسب مقدمة البرنامج “منال”، الشيء الذي زاد في ذيوع صيت القول بتسطيح الأرض في القرآن والسنة وانتشاره، كما أدى هذا الأخير إلى الزيادة من حدة النقاش حول الموضوع بين المسلمين في هذه الأيام الأخيرة على مستوى العالم كله، والناشط في مواقع التواصل الاجتماعي يدرك هذا الأمر جيدا.

      ومن بين الذين يتبنون هذا الرأي، وينشطون بحماس من أجل ترويجه، الدكتور “أمين صبري”، وله قناة على اليوتيوب([4]) تحوي مقاطع كثيرة حول إثبات “تسطيح الأرض”، كما ألف كتابا أسماه “الأرض مسطحة والعقول مكورة” يحاول فيه إثبات أن الأدلة من القرآن والسنة تدل بوضوح على انبساط الأرض وتسطيحها لا على كرويتها واستدارتها.

       وقبل كل هؤلاء مجموعة من السلفيين وهم قلة، يدافعون عن هذا الرأي بأدلة من القرآن والسنة، ويزعمون أنه قول السلف، من بينهم شيخ يدعى “عمرو عبد اللطيف”، هذا الأخير الذي انتشر له مقطع مقتطف من إحدى حلقات برنامج “فتاوى البصيرة” سُئِل فيه عن مدى صحة القول بكروية الأرض، فأجاب: “العلماء قديما وحديثا على أن الأرض مبسوطة مسطحة …”، ثم جعل يسرد بعض الأدلة القرآنية، ما جعل الشيخ “الشريف حاتم العوني” يأخذ المقطع ويضعه على صفحته في الفيسبوك، ويعلق عليه قائلا: “بمثل هذا الجهل المركب يَكفر الشباب بالدين ويسخرون من أصحاب اللحى ويعادون السلفية! يزعم أن الأرض مسطحة وليست كروية، وأن هذا قول الله تعالى، وعليه السلف، ولا يُقبل مع ذلك حس ولا علم!!!”([5]). أما أغلبية السلفيين الساحقة -حقيقة- فيقرون ما أثبته العلم، ويقولون بكروية الأرض، وبعض آخر متوقف متردد، لا يقول بهذا ولا بذاك.

      كل هذا وغيره (كالنقاشات المتزايدة مع اللادينيين) أدى بالمسلمين في جميع بقاع الأرض إلى أن ينقسموا إلى فريقين اثنين، ففريق يتفق مع الرأي القائل بتسطيح الأرض في الكتاب والسنة، وفريق يخالفهم في الرأي، ويزعم هو الآخر أن الأدلة من القرآن والسنة على غير ما زعموا، وهؤلاء هم الأغلبة الساحقة من المسلمين.

        ليس الجدل حول شكل الأرض في المصادر الإسلامي (القرآن والسنة) وليد اليوم، بل هو قديم جدا، يعود إلى ما قبل القرن الثالث الهجري، حيث نجد ابن حزم مثلا (384 – 456هـ) في كتابه “الفِصَل في الملل والأهواء والنحل” يرد على الذين يقولون إن الأرض مسطحةٌ مستويةٌ، وينفي نفيا جازما أن يكون أحد من الأئمة المستحقين لاسم الإمامة -على حد تعبيره- قد أنكر كروية الأرض، ثم يسوق أدلة من القرآن والسنة، يقول إنها تفيد كروية الأرض.

        وهذا ابن تيمية شيخ وإمام السلفيين (661 – 728هـ) يُسأل عن رجلين تنازعا واختلفا حول شكل الأرض، فقال أحدهما بكرويتها، بينما قال الآخر بتسطيحها، أيهما المصيب؟ فيصرح ابن تيمية بأن المصيب هو الذي قال بتكويرها، بل ينقل عن أبي الحسين أحمد بن جعفر بن المنادي (257 – 336هـ) حكايته للإجماع في القضية.

      فهذا التقرير من ابن حزم وابن تيمية -وغيرهما- كما سيأتي، يدل دلالة واضحة على أن هذا النقاش يرجع إلى  القرون الأولى، وليس حديثا كما قد يتوهمه البعض، خاصة أولئك المهووسين بالتآمر الغربي الكافر عليهم، والظانين أن هذه النقاشات ما أثارتها إلا الماسونية وفق خطة مدروسة من أجل زعزعة عقيدة المؤمنين، ودعوتهم للكفر والإلحاد، وذلك من خلال إقناعهم بأن القرآن يخالف العلم الحديث، بل قد يتجرأ بعضهم ويتسرع فيحكم على القائلين بتسطيح الأرض -أو بعضهم- بأنهم منافقون، وإنما يتظاهرون بالإيمان فقط لزعزعة إيمان المؤمنين.

      معلوم أن العلم قد قرر منذ زمن طويل كروية الأرض حتى أصبحت حقيقة لا مراء فيها ولا جدال، فهناك إجماع علمي على هذا الأمر، كل المؤسسات والمراكز والمجمعات العلمية يقرون بهذا، بل إننا أصبحنا نرى ذلك عيانا من خلال صور الأقمار الصناعية والمركبات والمسابير الفضائية([6])، لكن هذا ليس يعنيني هنا في شيء، وإنما الذي يعنيني هو ما تدل عليه آيات القرآن وأحاديث السنة، ثم الحكم الموضوعي العادل -قدر المستطاع- بين الفريقين المتنازعين.

      إن المنهجية التي أراها صحيحة في بحثي هذا والتي -في نظري- ينبغي أن ينهجها كل طالب علم ملتزم بالقاعدة العلمية الكبرى “العلمُ وصف الأشياء كما هي” هي أن يتجرد كليا من أية أفكار مسبقة قد تجعله متحيزا ابتداء لرأي معين، ثم يبدأ في بحث هذه المسألة من الصفر، فيطرح أمامه دعاوى الذين يرون أن “القرآن والسنة” يدلان على تكوير الأرض، ودعاوى الذين يرون أنهما يدلان على تسطيحها وبسطها، ثم يفحص أدلة كل فريق بكل موضوعية مستندا إلى ميزان الأصول والمصادر الإسلامية، وهي: القرآن وتفاسيره، والسنة النبوية وشروحها، ثم يستأنس بعد ذلك بأقوال العلماء وأفهامهم للآيات والأحاديث، ولأجل ذلك، فالمنهجية التي سأتبعها في هذا البحث هي كالآتي:

   المبحث الأول: دعوى إجماع علماء المسلمين على كروية الأرض ومدى صحته: وفيه أتحدث بإيجاز عن ماهية الإجماع، وبعض ضوابطه وأحكامه، حتى يعرف القارئ المقصودَ به، سواء كان هذا القارئ عاميا أو غير ذلك، فالخطاب ينبغي أن يُبَسَّطَ غاية التبسيط، ويُقدم في قالب يستوعبه كل المسلمين، فالإسلام لم يأت ليخاطب العالم دون العامي، ولا العكس.

      قد يقول قائل: إذا بلغتك حكاية أهل العلم العدول كابن تيمية للإجماع، فلم التثبت؟ وأين ثقتك فيهم؟ فأقول له: إن الذي دفعني إلى التحقق من حكاية هذا الإجماع وجعله المبحث الأول، هو أن كثيرا من الإجماعات المنقولة في كثير من المسائل لا تصح، ومع ذلك يستخدمها البعض سلاحا لكسر حجج الآخر مهما بلغت قوتها، وكما يقول ابن تيمية وهو ممن ذكرت في اعتراضك: “ولكنْ كثيرٌ من المسائل يَظن بعض الناس فيها إجماعا ولا يكون الأمر كذلك، بل يكون القول الآخر أرجح في الكتاب والسنة”([7]).

المبحث الثاني: الأدلة القرآنية والسنية، وكيف يفهمها كل من المُسَطِّحين والمُكَوِّرين: وفي هذا المبحث سأحاول جاهدا أن أجمع أكبر عدد ممكن من الأدلة التي فيها ولو إشارة بسيطة إلى موضوع بحثي، وسيكون المنهج المتبع فيه أن أبدأ بأدلة القرآن، وأذكر قول كل فريق فيها حسب الاستطاعة والمقدرة، ثم أرجع إلى تفاسير أهل العلم، أنظر ما قالوا فيها، أبدأُ بعصر الصحابة ثم التابعين وهكذا وصولا إلى المفسرين المحدثين. ثم أورد الأدلة المتوفرة حسب الطاقة من السنة، وأذكر فيها قول كل فريق إن وجدت، ثم أرجع إلى شروحها عند أهل العلم، أبدأ كما هو مقرر بالأقدمين فالمحدَثين.

المبحث الثالث: خلاصة ونتيجة: وفيه أرجح ما ظهر لي أنه صواب، إما على سبيل الجزم إن كانت أدلة أحد الفريقين قطعية لا تحتمل غيرها، وإما على سبيل الظن الراجح إن كانت أدلة أحد الفريقين ترجح على أدلة الآخرين مع احتمال صحة الأدلة الأخرى بنسبة أقل، وإما أن أتوقف إذا لم يترجح لي قول على قول، وحينها تكون أدلة كل فريق محتملة لأن تكون هي الصائبة بنسبة متساوية.

المبحث الرابع: خاتمة: أُضَمِّنُ فيه أبرز ما خلصت إليه من نتائج على شكل نقاط، وأختم بكلمة يسيرة حول الدين والعلم، وقضية الجمع بينهما، وتبعية من للآخر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=-voNRGaIrko&t=555s.

[2] انظر الحلقة على الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=nD1psh0vilg.

[3] انظر الحلقة على الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=9blmi8LZR38.

[4] انظر الرابط: https://www.youtube.com/user/MrAminmahmoud.

[5] انظر مقطع الشيخ عمرو عبد اللطيف مع تعليق الشيخ الشريف حاتم العوني على صفحته في الفيسبوك في هذا الرابط: https://www.facebook.com/Al3uny/videos/10156067830958953/.

[6] المسبار الفضائي هو مركبة فضائية تسافر عبر الفضاء لجمع المعلومات العلمية. المسابير هي مركبات غير آهلة برواد للفضاء (إنسان). المسابير ترسل إلى العلماء على كوكب الأرض البيانات للدراسة العلمية. انظر: https://www.nasa.gov/centers/jpl/education/spaceprobe-20100225.html.

[7] مجموعة فتاوى ابن تيمية، ج: 20، ص: 10.

تعليق واحد

أضف تعليقا ←

  1. عبد الحكيم قال:

    السلام عليكم
    بحثك شيق..
    فأين بقيته..؟

اترك تعليقاً