منوعات

فـــي نـقـد أنـانية الـمثـقفـيـن

مصطـفى غـلمـان

العنجهية الثقافية والأنا الناقمة المتضخمة شرعة المنهزمين المريضين نفسانيا، المتلونين على المحاذير، المتشككين في المحيط والمفخخين بوشوشات المقاهي وغيبيات العين الخؤون.

لا أدري لم تستلذ فئة تحسب على النخبة المثقفة، الانتفاخ على صنم الأوداج وتتمثل صورا خارج سياق المعرفة وضد العقل والمنطق، مع أنها مطالبة بتحرير كمونها الذاتي من قصر النظر وفساد الطبع وغلو التطبع بما هو امتلاء على خواء الروح من كل ما يجلب لها المساوئ وسوء القصد..

فقد تجد في المثقف خلقا وقيما ما لا يسحب على غيره من الناس البسطاء من العامة، حيث يلتبس عليك الأمر فتسأل عن أسرار حشو الكبرياء الزائد الزائف، وتتحقق لك المرامي من قصدية هذا المرض الفاضح وأسباب تواكله وتشاكله، قلا ينفع معك الا معاشرتهم والسفر معهم وحضور موائدهم واستغزارهم بالحوار والمداهنة، وتجريبهم في العاديات والباديات وظروف الشدة والأنس، وفي السراء والضراء وحين البأس.تكتشف بعدها بعضا من شجون الغلظة والشدة فيهم، وتستحث الخطى، فتجدهم ميالين للتعتيم والتمويه على شخصيتهم ومدى استتبابها النفساني ومواءمتها لحجم اصطراع الحياة واصطدامها مع المقدرات الكاريزمية لديهم. وتعول على استشفاف هذه الاحتيالية فيهم، فلا تنفذ للعمق ولا تكاد توثق لحظات التعبئة حتى تنقطع عنك الرؤية وتستوثق من حولهم العاطفي وعدم نضج تفاعلاتهم مع المحيط وسرعة تحولهم ومزاجيتهم. فيكون خصمك فيهم انعزالهم وتبرمهم عن المواجهة، واستئثارهم بالرأي وإحجامهم عن الفعل الإيجابي.

لا يمكن اعتبار هذه التجربة الفانتازية، في البحث السابر لشخصية المثقف المجتمعي تذويبا ظلاميا للحواجز المصطنعة بين الفعل الممارسة والنظر المثالي، إلا في تقديم ما يثبت العلاقة المضطربة والناشز التي يعيشها المثقف “المفكر والإنتلجنسي والمبدع ” بإزاء مسؤولياته القيمية والإصلاحية التنموية وأدواره العلمية وقابليته لأن يكون مثالا وقواما للآخرين. أولا بتنظيم محكم لعلاقة المثقف بالمجتمع، من حيث كونها علاقة وظيفية اجتماعية منخرطة بشكل مباشر في قضايا اليومي والاستراتيجي، وهو منظور يوائم منطق التحليل عند غرامشي الذي يزيد على ذلك التقسيم الشهير للمثقف، التقليدي الذي يعيش ويتنفس على مسافة من الناس، والعضوي الذي ينخرط ويناضل من أجل فئة مجتمعية محرومة وكادحة تعاني هموما وفاقة شديدة.

وثانيا بتحديد تلك العلاقة، مرجعيتها ونفوذها اليوتوبي في المجتمع، مع ما يرافق قلقها الكينوني وفرادتها السلطوية والتعبوية. وهنا يمكن التعليل بعقلانية جون بول سارتر وهو يكيف زمنية المثقف وكونيته الاستيهامية وخياراته الأيديولوجية، حيث يربط ضميره الشقي وفاعليته التغيرية بثورته على النمطي ورفضه له، وبجهره غير الملتبس بالحقائق المتعارضة المبحوث عنها بين ما هو عملي تثويري وما هو أيديولوجي جبروتي.

يحتاج منا هذا الانزياح التبريري للغة المثقف وقاعديته الخطابية درجة هامة من التمييز بين المثقفين السالف الذكر. ففي حين ينطوي دور المثقف الأول على البعد العام الاجتماعي الذي يقوم على التغلغل في المجتمع والتفكير فيه وله، وتخصيص حيز واصل بالوعي ومنقذ للوفرة النفسية والعقلية لأفراده. يجترح المثقف الثاني كينونته السيرورية على التعالي والتمرد والمباهاة والخروج عن الوحدة الإنسانية. وهي وثوقية سابقة عن الزمن ومدركة للنوعية وليس التماثل.

كما أن النظر للعناصر ذاتها التي نخوض فيها ومن خلالها ملامستنا للظاهرة المشاعة بين البعض ممن تقصر عليه فكرة الانتماء لعامة الشعب ويتجافى عن الخوض في ما لا يطيقه نظره ووجوده المتسامي بعلة التغافل أو التجاهل أو مغالبة الضمير، لا تتصل بحالات ثابتة، ولا يمكن تلبيسها على نحو يجمع كل المثقفين في سلة واحدة. إنها عناصر تنعكس في العمق على شريحة لم تتحرر بعد من فكر فلسفة الجدل والهزل، وهو بالتأكيد ليس جدل ماركس وهيجل، الأخير الذي يجندل منطق العمليات العقلية عن طريق تشغيل ميكانيكا الوضع والمقابلة والتركيب وربطه بمنطق التطور التاريخي والسير وري.

كيف للمثقف إذن أن يفكر ويحلل ويدبر دونما عبور سلس صادق من القاعدة الشعبية أو الجماهيرية؟ إنه بؤرة تفكير المجتمع، حيث يكون انوجاده حتميا لاستحضار جملة قيم وأهداف واستراتيجيات وخطط، يستدل بها للحديث عن السلم الاجتماعي والأمن الثقافي والتنمية والتاريخ. وهو إلى جانب هذا وذالك”ناقد اجتماعي ، إنه الشخص الذي همه أن يحدد ويحلل ويعمل من خلال ذلك على المساهمة في تجاوز العوائق التي تقف أمام بلوغ نظام اجتماعي أفضل ، نظام أكثر إنسانية وأكثر عقلانية” حسب تعبير الجابري.

إن المثقف في مجتمع متعلل بالأنانية وحب التواكل والنفور من المحيط والتشاغل بصغائر الأمور لا ينتج إلا طوقا مجافيا للحرية، مغاليا في ترويع الذات ومتربصا بالآخرين لتقليب أشكال المخاطبة ومجانبة الواقع بالتأويل والاستغباء.

وهو لعمري أداة نبذ وتعرض، ووصم عيب وترصد، وهجر فكر وتجرد، لا يستسيغه مجتمع منكفئ على الاسترقاد وهشاشة الطبع، ولا يثير فيه القطا ما يحمل على التعب كما تقول العرب القديمة.

فإن كان بالمثل انكفاء واسترقادا، تعللت العامة وأصابها العوز وانتهت إلى مادون طوباويات المثقف. وعوض أن يصلح حالها ويضمد جراحاتها، جر إلى ما فيها من سخط للحياة ونفور منها، فأضحى وبالا على المجتمع، وعد في موكب من قال فيهم الشاعر:

لا الجمع بين الماء والنار في يدي ……..بأصعب من أن أجمع الجدَّ والفهما

وإني لمن قومٍ كأنّ نفوســـــــــَهم …………..بها أنفٌ أن تسكنَ اللحم والعظما

إن انزياح المثقف راهنا عن تطوير مهماته بما يناسب عقده السوسيولوجي وتمثلاته في تطبيعه مع كل ما هو اجتماعي وسعيه إلى تشريبه قيم ومثل ومعتقدات ومعايير المجتمع الذي ينتمي إليه، وانخراطه الفعلي في عملية التنشئة الاجتماعية، يؤثر سلبا على الأداء المجتمعي وعلاقاته المتداعية، وهو ما سماه المفكر الجزائري مالك بن نبي بالجسد المريض حيث “يبدو في ظاهره ميسورا ناميا، بينما شبكات علاقاته مريضة ويتجلى هذا المرض الاجتماعي بين الأفراد”. لا يجسد هذا التباعد في تغليب رؤى المثقف المتسلطة والملغومة أحيانا، بين منطق الأنا المتضخمة واستنفاذ حضور الكاريزما لديه، سوى الاستعارة المغلفة بالترفيه والتسلية “ثقافة الترفيه” – على حد تعبير مالك بن نبي –

إن من أكبر أساطير تخلف الحراك الاجتماعي والثقافي (تعبير للدكتور المهدي المنجرة) في بلداننا العربية جهل المثقف بمقومات إجلائه لتلك الأساطير وتطويعها، وعدم قدرته على توسيع نفوذه بين مكونات المجتمع، بما يلائم عمله الإصلاحي وبحثه الدائم عن فريق للعمل الجماعي، إذ القدرة على تصميم وتوجيه الهدف يتطلب تعبئة تاكتيكية، يفرد فيها مد جسر قوة الإصلاح وتحفيز الآخرين عليه.

يمكن الاستفادة مثلا من تجربة الإعداد للمشاريع الثقافية التي رصدت لها اليابان بعد الحرب العالمية الثانية كل إمكاناتها، بدافع تحقيق فعالية المثقف وفريقه المرافق، من أجل إبراز الخصوصية الثقافية وإستراتيجية العمل وخططه الاستباقية.

وفد نجحت اليابان خلال ربع قرن من مسيرة “تشين وان فو” الثقافية في مجال توجيه المشاريع الاجتماعية وتقوية أواصر الثقافة المحلية ومواءمتها مع الحياة العامة، حيث أدرجت وزارة الثقافة على عهد حكومة إيكيدا ستينيات القرن الماضي جهود المثقفين والمفكرين وعلماء التربية من ضمن مدخرات اليابان وعقلها النابض بالقوة والإبداع والتفوق.

* ghalmane03@yahoo.fr

المصدر : موقع هسبريس من هنا

اترك تعليقاً