في محاضرة له بعنوان “القرآن والعلم الحديث، متفقان أم غير متفقين”، يذكر الدكتور “ذَاكِرْ نَايِكْ zakir naik” واحدة من المسائل التي يزعم أن القرآن الكريم قد أخبر بها قبل 1400 سنة ولم يتوصل الإنسان إلى معرفتها إلا في القرون الأخيرة؛ الأمر يتعلق بـمصطلح “الذَّرَّة” في القرآن، يقول الدكتور ذاكِرْ:
(منذ قرون عديدة، كانت هناك نظرية تدعى “Atomism”، هذه النظرية قُدمت عن طريق اليونانيين خصوصا العالِم “دِيمُوقْرِيطُسْ” الذي عاش قبل 2300 سنة. وطبقا لهذه النظرية فإن الـ”Atom” هي أصغر جزء من المادة، وهذه كانت أيضا معروفة عند العرب، والكلمة العربية لـ “Atom”، في العربية تُسمى “الذَّرَّة”، والعرب أيضا اتفقوا أنها أصغر جزء من المادة ولا شيء أصغر منها). ويضيف: (الآن وبعد تقدم العلم في مجال الفيزياء، نتفق أن الذرة هي أصغر جزء من المادة تمتلك صفات العُنصر، ولكن الذرة أيضا يمكنها أن تنقسم). ثم يقرر أخيرا أن الله سبحانه قد أخبر بهذه الحقيقة بكل وضوح في كتابه المبين، وذلك في قوله: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ۖ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ ۖ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ)([1]).
فطبقا للدكتور ذاكر نايك -وغيره من الإعجازيين- فإن الله تعالى في كتابه قبل 1400 سنة قد قال للناس: (إن الـ “Atom” التي اصطلح عليها فلاسفة اليونان، التي ترجمتها العرب إلى “ذَرَّة”، التي هي الذرة في الفيزياء الحديثة، التي تعتقدون جميعكم أنها أصغر شيء يوجد على الإطلاق وأنها لا تقبل الانقسام، فإنها تقبل ذلك، وإنه يوجد أشياء أصغر منها). ثم يأتي العصر الحديث لنكتشف أن الـ “Atom” التي اصطلح عليها فلاسفة اليونان، التي ترجمتها العرب إلى “ذَرَّة”، التي هي الذرة في الفيزياء، التي كان الناس جميعهم يعتقدون أنها أصغر شيء في المادة وأنها لا تقبل الانقسام، اكتشفنا أنها تقبل الانقسام وأن هناك جزيئات أصغر منها هي: الكْوَارْكَاتْ، والإِلِكْتْرُونَاتْ، والْبّْرُوتُونَات، والنِّيُوتْرُونَات، وغيرها، بل وربما هناك جزيئات أخرى أصغر لم نتوصل إلى معرفتها بعد، وبالتالي فواضح جدا أن هذا إعجاز وسبق علمي للقرآن الكريم على العلم الحديث.
ولي فيما يخص ما ذركه الدكتور ذاكر نايك ملاحظة لا بد لقارئ هذا البحث أن ينتبه إليها قبل الدخول في صلب الموضوع، وهي:
هذه المحاضرة التي أُلقيت في مدينة “تشيناي” الهندية عام 2008 قد تم تفريغها في كتيب يتكون من 67 صفحة من طرف مؤسسة البحوث الإسلامية IRF، وعندما طالعت هذا الكتيب وقارنت بين ما ذُكر في المحاضرة المرئية وما نُصَّ عليه في الكتيب، وجدت اختلافا قد يظهر لبعض القراء بسيطا لكنه جوهري ومهم للغاية، قال في المحاضرة:
(the arabic word for “Atom”, in arabic it’s called “Azzarah”)
فهنا يقول: (الكلمة العربية للـ “Atom”، في العربية تسمى “الذَّرة”…) هكذا بهذه الصيغة التي لا تعطي احتماليةَ أن يكون للكلمة معان أخرى غير هذا المعنى. وقد زاد تأكيدَ هذا المعنى حين قال بعد ذلك: (والعرب أيضا متفقين أنها أصغر جزء من المادة ولا شيء أصغر منها). ولكن لاحظ معي ما نجده يقول في الكتيب الذي فُرِّغت وعُدلت المحاضرة فيه (ص: 18):
(The Arabic word “Zarrah“most commonly meant an “Atom”)
بمعنى: (الكلمة العربية “ذرة” تعني في الغالب الـ”Atom”)، وصيغة التعبير هنا مختلفة عن الصيغة الواردة في محاضرته المرئية، فهل يعني لنا هذا شيئا؟ هل يمكن أن يكون الدكتور ذاكر قد وجد للذرة معانيَ أخرى في اللغة العربية فعدَّل العبارة الدالة على الجزم إلى عبارة أقل منها درجة تدل على ترجيح معنى على آخر استنادا إلى الغالب حسب رأيه؟ وهل فعلا كلمة ذَرَّة في العربية تعني -في الغالب- “Atom”؟
وبعدُ ..
إن الذرة الواردة في آياتها الست من القرآن (النساء: 40، يونس: 61، سبأ: 3 – 22، الزلزلة: 7 – 8) لا يمكن أبدا أن يُقال إنها تعني الذرة الفلسفية فضلا عن أن نقول هي تعني الذرة الفيزيائية، ولا جزما ولا غالبا يمكن أن يقال ذلك، حيث إن الأدلة -والتي سأعرض بعضها- تدل صراحة على أن الذرة في القرآن غير الذرتين، وأن من فسرها بهما أو واحدة منهما جازما بذلك أو حتى مُغَلِّبا له فقد قال في القرآن بغير علم، وكلف نفسه ما لا سبيل له إليه، وبيان ذلك كالآتي:
للذرة ثلاثة مفاهيم: مفهوم فلسفي، ومفهوم علمي، وآخر لغوي عربي:
أولا: المفهوم الفلسفي: “الذرة” بالعربية كترجمة لكلمة “Atom” باللغة الإنجليزية، هي كلمة اشتُقَّت من الكلمة الفرنسية القديمة “Atome”، المُشتقة بدورها من الكلمة اليونانية “Atomos” والتي تعني “indivisible” أي: “غير القابل للانقسام”. والذرة بهذا المفهوم هي: أصغر جسم في الكون لا يقبل التجزئة والانقسام، ومن مجموع هذه الذرات تتكون المادة. ويعتبر “دِيمُقْرِيطُسْ” أكبر ممثل للمذهب الذري القديم ومؤسس نظرية الجزء الذي لا يتجزأ. وفي إشارة لهذا المعنى يُذكر عن أبي الهذيل العلاف المعتزلي قوله: “إن الجسم يجوز أن يفرقه الله سبحانه ويبطل ما فيه من الاجتماع حتى يصير جزءًا لا يتجزأ”([2]).
ثانيا: المفهوم العلمي: وقد تطور عن مفهوم “الذرة” الفلسفي القديم فاتخذ صبغة علمية بين القرنين السابع عشر والثامن عشر بدل صبغته الفلسفية، ولم تعد الذرة هي الجزء الأصغر الذي لا يتجزأ، بل أصبحت هي أصغر وِحدة في المادة لها خصائص مميزة لكل عنصر كيميائي. وتتكون هذه الذرة من نواة صغيرة كثيفة، وذات شحنة موجبة تتكونة من عنصرين يقال لهما “النيوترونات والبروتونات”، و هذه النواة محاطة بسحابة من “الإلكترونات” سالبة الشحنة، وهناك غير هذا من المكونات والمواصفات التي يعرفها أهل الاختصاص([3]).
فالذرة بهذا المفهوم العلمي الحديث غير الذرة بمفهومها الفلسفي القديم كما ترى، وبينهما بون شاسع، وهنا نلاحظ تناقض الإعجازيين؛ ذلك أن الذرة الفلسفية هي فعلا كما ذكر الدكتور ذاكر: أصغر شيء على الإطلاق لا يقبل التجزئة والانقسام، وطبقا لهذا المفهوم فإن “الكوارك” مثلا -وهو أصغر من الذرة- هو الأحق أن يسمى “ذرة”، وكل ما كان أصغر من “الكوارك” فهو أحق بتلك التسمية فلسفيا؛ فالذرة العلمية الحديثة ليست مرادة لدى الفلاسفة القدامى، بل مرادهم ما صَغُر لدرجة أنه لا يقبل التجزئة، والمثال يزيد المذكور وضوحا:
إذا اتفقنا أنا وأنت على أن نسمي أصغر شيء يوجد في بيتك بـ”الخِنْفِشَار”، وحين شرعنا نبحث وجدنا أصغر شيء هو هاتفك النقال، فسنطلق عليه إذًا “الخنفشار”. ثم بعد برهة، ظهرت لنا ساعة والدك التي كانت تحت الطاولة، فحينها لا شك أننا نقول إن “الخنفشار” هو ساعة أبيك لا هاتفك. وبعد مدة زمنية، تبين لنا أن في بيتك ما هو أصغر من تلك الساعة، وهو خاتم والدتك الذهبي الذي كان موضوعا داخل خزانة آمنة، فحينها سنقول إن “الخنفشار” هو الخاتم الذهبي، وليس الساعة ولا الهاتف.
ثالثا: المفهوم اللغوي العربي: “الذَّرَّةُ” في اللغة واحدةُ “الذَّر” وهي صغار النمل، أو النمل الأحمر الصغير. وقيل: رأس النملة. وقيل: يراد بها ما يُرى في شعاع الشمس الداخل في النافذة. وفُسرت بالهباءة الصغيرة الدقيقة التي تتطاير في الهواء وتُرى في شعاع الشمس. وروي عن ابن عباس أنه أدخل يده في التراب ثم رفعها ثم نفخ فيها، ثم قال: كل واحد من هذه الأشياء ذرة. وفي حديث جبير بن مطعم: رأيت يوم حنين شيئا أسود ينزل من السماء فوقع إلى الأرض فدب مثل الذر وهزم الله المشركين. قال إبراهيم الحربي: إنما نهى رسول الله عن قتل النمل لأنه لا يؤذي الناس، فقيل له: فالنملة إذا عضت تقتل، قال: النملة لا تعض إنما يعض الذر، قيل له: إذا عضت الذرةُ تُقتَلُ؟ قال: إذا آذتك فاقتلها. وقال: النملة هي التي لها قوائم تكون في البراري والخربات، وهذه التي يتأذى الناس بها هي الذر. والذُّرية فُعلية، وهي منسوبة إلى الذر الذي هو النمل الصغار([4]).
وهناك في الشعر القديم ما ذُكرت “الذرة” فيه مقصودا بها صغار النمل، فعن الشاعر الجاهلي امرؤ القيس (ت 80 ق.هـ) أنه قال في قصيدته “سما لك الشوق بعدما كان أقصر”:
وهذه القصيدة ذكرها علي الجندي في كتابه “في الشعر الجاهلي”، وفسر قول الشاعر “المَدْرَج”: بالمسلك، و”الذَّر”: بالهوام الصغيرة.
ولولا الرغبة في عدم الإطالة لسردت لك أقوال بعض المفسرين للقرآن الكريم لتعلم أنهم لم يخرجوا في تفسيرهم لكلمة “ذرة” عن البيان العربي لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين في متناول فهم المخاطَبِين العرب الذين نزل فيهم أول الأمر، ويمكنك أن ترجع بنفسك إلى تلك التفاسير لترى ذلك، كما أنصح بالرجوع إلى “موسوعة التفسير بالمأثور” الصادرة حديثا بتحرير الدكتور “مساعد الطيار” لمعرفة أن السلف من الصحابة والتابعين فمن بعدهم جميعا أطبقوا على كون الذرة هي النملة الصغيرة أو رأسها أو الهباءة المتناثرة في الهواء أو غيرها من المعاني التي مرت. ولم أجد شخصيا أي دليل يفيد أن العرب كانوا يطلقون “الذرة” ويريدون بها ما أراده فلاسفة اليونان قديما، أو بالأحرى أنهم كانوا يعرفون هذا المعنى كما زعم الدكتور “ذاكر نايك”.
ومن الأدلة كذلك التي تجعل الواحد يقطع شكه بيقينه في المسألة، أنه وردت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر فيها “الذر” على أنه النمل الصغير أو ما شابهه، ومنها:
1- “يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذّرِّ في صورة الرجال يغشاهم الذل …” الحديث([5]). فالمتكبرون يوم القيامة يحشرون مثل النمل في حقارتهم وصَغارهم يطؤهم أهل الحشر بأرجلهم لأنهم كانوا في الدنيا يحتقرون الناس ويستصغرونهم، فهذا تشبيه، والمشبه به يجب أن يكون معلوما للمخاطب حتى يمكنه تصوره، وإلا فالكلام يكون بدون معنى([6]).
2- “خلق الله عز وجل آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنهم الذر …” الحديث([7]). وهذا تشبيه كذلك مثل سابقه.
3- “يقتص الخلق بعضهم من بعض حتى الجماء من القرناء، وحتى الذرة من الذرة”([8]). وأي ذرة يا ترى ستقتص من أختها يوم القيامة؟ هل هي أصغر جسم في الكون لا يعرف الناس ما هو؟ أم هي ذرة الفيزياء والكيمياء الحديثة؟ لا شك أن الذرة المرادة هنا هي ما كان معلوما لدى المخاطبين يومئذ، وهي النملة الصغيرة أو غيرها من الكائنات الدقيقة.
إذًا؛ “الذَّرَّةُ” في اللغة العربية لا تعني لا جزما ولا غالبا -كما قال الدكتور ذاكر نايك- “الذرة” الفلسفية القديمة فضلا عن أن تعني الذرة العلمية الحديثة، ولست أدري صراحة من أين جاء الدكتور بأن العرب كانوا يعرفون مفهوم الذرة الفلسفي وأنهم كانوا يتفقون على أنها أصغر جزء في المادة مع أن ما نجده في اللغة هو معنى مغاير تماما لهذا المفهوم، وهذه هي مشكلة عدم إسناد الكلام إلى مصدر ومرجع معين، فإن قلنا إن الدكتور لم يسعه في محاضرته أن يوَثِّق لكلامه، فلماذا لم يوثق له في الكتيب الذي فرغت فيه المحاضرة؟
هذه بعض الأدلة من قواميس اللغة العربية، والأشعار القديمة، والأحاديث النبوية، وتفاسير السلف الأصلية، تجعل الواحد يعرف بنفسه خطأ الإعجازيين في تفسيرهم لآيات القرآن الكريم وتكلفهم في لي أعناقها لتطابق المعارف العلمية الحديثة.
وقد وجدتُ عند البحث في بعض التفاسير الحديثة كتفسير المنار لمحمد رشيد رضا (ت 1354 هـ) وتيسير التفسير لإبراهيم القطان (ت 1404 هـ) أن “الذرة -أي: في القرآن- هي أصغر ما يدرك من الأجسام”، وهذا تفسير للذرة بالمعنى الفلسفي القديم لا بالمعنى الفيزيائي الحديث. وتفسير الذرة بهذا المعنى الفلسفي غير سليم بتاتا ويوقع في التناقض، فالقرآن يقول في آيتين اثنتين: (وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ)، أي: هناك ما هو أصغر من الذرة؛ ثم يقول هؤلاء: هناك ما هو أصغر من الذرة التي هي: أصغر ما يمكن إدراكه، ولا يخفى على أحد التناقض الذي تتضمنه العبارة.
الحقيقة أن الترجمة الصحيحة لـكلمة “Atom” هي “الذي لا ينقسم”، وإنما تُرجمت لـ”ذرة” فقط لتقريبها إلى الأذهان، ومفهوم “الذَّرة” في اللغة العربية قد مضى بيانه، وهو غير المعنى المراد من كلمة “Atom”. وهنا نلاحظ أن اللغة الإنجليزية وكذا الفرنسية والألمانية وغيرها أبقوا على أصل الكلمة كما هي ولم يستبدلوا بها كلمة أخرى عندهم، فلم تقل الإنجليزية مثلا نُترجم “Atomos” إلى “Ant”، ولم تترجمها الفرنسية إلى “Fourmi”، كما لم تفعل الألمانية ذلك وتقول إنها “Ameise”، ربما لأن جميع هذه اللغات تنتمي إلى فصيل لغوي واحد هو فصيل اللغات الهندية الأوروبية Indo-European بخلاف العربية التي تنتمي إلى اللغات السامية.
والنقطة المهمة التي أود أن يعرفها القارئ هنا أنه كان من الممكن أن تُعَرَّب كلمة “Atom” وتنطق هكذا “آتُومْ” كما عربت كلمة “Democracy ديموقراطيا” و”Heresy هرطقة” و”Proletariat بروليتاريا” وغيرها من الكلمات، لكن العربية استبدلت بها كلمة أخرى موجودة مسبقا في حقلها الاصطلاحي هي “ذرة”، تماما مثلما فعلت مع كثير من المصطلحات ذات الوضع الأجنبي في الأصل مثل: “Telephone” التي أصبحت “هاتف”، و”Car” التي صارت “سيارة”، أو “Train” “قطار” وما إلى ذلك. وليس هذا عيبا أبدا، فقط أحببت التنبيه إلى أن كلمة Atom”” كان يمكن تعريبها فتصبح “آتُوم” كما أمكن وضع كلمة عربية مكانها كترجمة لها لتقريب فهمها فأصبحت “ذرة”، وليس هذا يعني ضرورة أن كلمة “ذرة” تعني تماما ما تعنيه كلمة “Atom”، كما أن كلمة سيارة وهاتف وقطار لا يعنون تماما ما تعنيه “Car, Telephone, Train”.
فإذا صح هذا لغويا، فإنه لا يصح بتاتا حين ترجمة معاني القرآن الكريم، ففي كثير من ترجمات القرآن إلى لغات أخرى لاحظت أنهم جعلوا مكان “الذرة” “Atom”، وهذا تحريف لمعاني كلمات القرآن الكريم. وقد رأيت في ترجمة “محمد مارمَدُوك بِكْتَال” تناقضا خطيرا، ففي ترجمته لآية سورة النساء 40 قال: “the weight of an Ant“، أي: “مثقال نملة”، وفي ترجمته لآية سورة يونس 61 قال: “and not an Atom’s weight“، أي: “مثقال ذرة” بمفهومها الحديث، وليس يخفى على أحد ما قد يسببه هذا الأخير من تحريف لمعاني القرآن الكريم؛ الشيء الذي قد يجعل غير العربي غير واع تماما بمعاني الكلمات القرآنية. وفي ترجمة الدكتورين “تقي الدين الهلالي” و”محمد محسن خان”، ترجموا الآية هكذا: “The weight of an Atom (or an ant)“ أي: “مثقال ذرة (أو نملة)”، فجعلوا النملة بعد الذرة بين قوسين؛ بمعنى أنه يحتمل أن يكون المعنى “نملة”، وكان الأولى -تنزلا- أن يضعوا “Atom” بين القوسين بدل “النملة”. وفيما ذكرته هاهنا كفاية لوضوح المعنى.
وفي الأخير، لنفترض أنه يوجد احتمال -ولو ضئيل- أن (مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) في القرآن يمكن أن تكون هي الـ “Atom” الفيزيائية ووزنها، وأن (وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ) هي “الكوارك والإلكترون والبروتون والنيوترون”، ولنفترض أن جميع الصحابة والتابعين وجميع مفسري القرآن -غَير بعض المُحدَثِين- وكذا جميع شراح الحديث منهم لم يفهموا هذا الأمر وأن كل من فسر منهم “الذَّرَّةَ” بالنملة الصغيرة أو الهباءة التي تطير بالريح وتُرى في الشمس أو فتات الغبار الدقيق أو ما إلى ذلك –وهو افتراض أبعد ما يكون عن الحقيقة لكن لا حرج من استعمال بعض الخيال العلمي مع بعض محبيه-، لنفترض أن كل هؤلاء قد أخطؤوا، ولنفترض أيضا احتمال أن النبي صلى الله عليه وسلم وحده فهم معنى الذرة الحقيقي أو لم يفهمه بل انساق مع الفهم السائد للكلمة آنذاك، فأين الإعجاز العلمي يا ترى؟
لم أرد من خلال ما تقدم أن أُفقد أحدا ثقته في دعاة الإعجاز العلمي ولا أن أُشوِّه صورتهم في ذهنه، ولن أقول له إنهم يخدعون الناس ويدلسون عليهم، فليس يهمني الشخص المعين بقدر ما تهمني الفكرة التي قدمها، فأنا أريد أن أعطي نتيجةً خلُصت إليها أثناء فحص علمي لدعوى جاء بها الإعجازيون لا أكثر، كما أريد أن أُذَّكِّر بأن المنهجية العلمية الصارمة تحتم علينا جميعا ألا نتبنى -تقليدا- كل دعوى نسمعها هنا أو هناك فقط لأنها وافقت أهواءنا وعواطفنا، وإنما ينبغي علينا أن نُعمل عقولنا ونبحث جيدا لنتأكد من صحة ما زعمه دعاة الإعجاز أو غيرهم في جميع المجالات، إذ ليست هذه المنهجية محصورة التطبيق في فحص دعاوى الإعجازيين.
صحيح أن كثيرا من ممارساتهم قد تجعل الواحد يفقد ثقته فيهم أو على الأقل تنقص لديه، وخاصة حين يكون بعضهم له شهرة واسعة في الآفاق كالدكتور “ذاكر نايك” الذي يلقبه البعض بخليفة وتلميذ عالم مقارنة الأديان “أحمد ديدات”، وكالدكتور “زغلول النجار” الذي يعتبر رائد الإعجاز العلمي في العصر الحديث، وهذه الثقة تُفقد أو تنقص خاصة عندما لا تَسْنِد دعواهم ظهرَها إلى ركيزة متينة من لغة أو تفسير مأثور أو قواعد علمية من أصول علم التفسير، أو حين تكون دعواهم مبنية على تحريف وتأويل متكلف لنصوص الوحي، وهذا ما لا شك أن القارئ قد لاحظه في هذا البحث، هذا لا شك أمر يجعل الواحد من الأتباع يحس وكأنه كان مخدوعا أو مسوقا نحو اتجاه معين كما تساق الدابة، وهذا ما كان حدث معي شخصيا.
والسلام عليكم.
[1] سورة سبأ، الآية: 3. وانظر كذلك سورة يونس، الآية: 61.
[2] انظر: معجم الفلاسفة لجورج طرابيشي ص: 307. ومعجم المصطلحات والشواهد الفلسفية لجلال الدين سعيد ص: 208 – 209. والموسوعة البريطانية Britannica على الشبكة: Developement of Atomic theory, Atomic theory, Atomism. وكذا قاموس Oxford على الشبكة: Atom.
[3] انظر: معجم المصطلحات الفلسفية لجلال الدين سعيد ص: 209. والموسوعة البريطانية على الشبكة: Atom. وقاموس Oxford على الشبكة: Atom.
[4] انظر: مادة: ذرر في كتاب العين للفراهيدي، والقاموس المحيط للفيروز آبادي، ولسان العرب لابن منظور، وفي أي قاموس من قواميس اللغة. وانظر: المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم لمحمد حسن حسن جبل، ص: 704. والمعجم الموسوعي لألفاظ القرآن الكريم وقراءاته لأحمد مختار عمر، ص: 190.
[5] صحيح الترمذي للألباني: 2492. وصحيح الجامع: 8040. وصحيح الترغيب والترهيب: 2911. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح، وانظر مسند أحمد: 61324، وعمدة التفسير: 1/136. وللحديث روايات أخرى ضعيفة، وهي لنا دليل كذلك لأن الشاهد عندنا فيها هو اللغة لا الحديث نفسه.
[6] انظر شرح الحديث في تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي للمباركفوري، حديث رقم: 2492.
[7] قال الألباني في السلسلة الصحيحة، حديث رقم: 49: “رواه أحمد وابنه في زوائد المسند (6/441)، والبزار (2144) وابن عساكر في تاريخ دمشق (10 136 1) من حديث أبي الدرداء مرفوعا. قلت وإسناده صحيح”. والشاهد عندنا اللغة حتى في روايات الحديث الضعيفة.
[8] الألباني في السلسلة الصحيحة، ج: 4، ص: 116، وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم.