منوعات

التربية ومتغيرات العصر وتحدياته

د. نجلاء صالح -القاهرة

FEBRUARY 25, 2016

تبعاً لجون ديوي فإن من العبث أن نندب ذهاب تلك الأيام القديمة السعيدة على مناقب أولادنا والحشمة والاحترام والطاعة الخلقية، لأن النوح لا يعيد الذاهب وبكاء ما فات يزيد الحسرات. فإن التغييرات الحادثة نتائج نواميس طبيعية ولا يقابلها إلا تغيير كاف في التهذيب.
وللتربيـة دور مهم وللتعليم شأن فاعل. فالتربية هي فن صناعة المواطنين بمصادرها وطرائقها وأساليبها. وهي – بمفهومها الشامل – إعداد للإنسان للحياة بكل جوانبها، الذاتية والحياتية، والمجتمعية والعالمية. وهي عملية مستمرة مدى حياة الفرد.
وقد أصبح العلم يشكل الجزء المهم والحاسم في رأس المال. كما أن المعلومات أصبحت تقلل من الاعتماد على رأس المال. لذا ينبغي أن تكون التنمية البشرية على قمة اهتمامات الدول، بحيث تصل بالعقل البشري إلي القدرة على الابتكار والإبداع. ذلك أن التحديات العصرية تتطلب إنسانا جديداً بفكر جديد ومهارات جديدة وتعليما من نوع جديد، يتمتع بمرونة في التفكير وذا قدرة فائقة على التكيف في المواقف الجديدة، وقدرة فائقة على اتخاذ القرارات الحاسمة على أسس علمية سليمة.
هذا يحمل التربية المسؤولية الأولى للتنمية البشرية، نظراَ لزيادة معدلات التغير والتغيير في الحياة العصرية، حتى أن السيطرة على شيء أصبحت غير ممكنة إلى حد كبير في جميع المجالات المادية والمعنوية. ولم يعد هناك شيء يحكم عليه بالثبات التام والمطلق.
ورغم حقيقة هذا، إلا أن ذلك يصيب رجال التربية بالخوف والحذر الشديد. فعدم ثبات كثير من الأمور المعنوية يهدم هرم القيم التي تعمل التربية جاهدة في الحفاظ على ثباته وحتى لا تلجأ بعد فترة إلى ترميم هذا الهرم الذي لا يصلح مطلقاَ ولا يقبل.
ومعنى ذلك أن معدلات سرعة التغير والتغيير أصبحت من أشد الأمور خطورة على التربية بكل مقوماتها، لأن تلميذ اليوم الذي نتعامل معه بكل تأكيد من هذا المنطق سوف يكون غداَ تلميذاَ من نوع آخر، ويحمل معاني وماديات جديدة ومغايرة لما كان عليه بالأمس.
كل ذلك سوف يجعل التربية في غاية الحرج إذا لم تكن تملك القدرة على التفاعل مع هذه التغييرات بنفس الدرجة من حيث القوة والاتجاه لضمان الاستقرار المطلوب لمسؤولياتها الجسام وتحقيق الأهداف المنوطة لها من أجل الحفاظ على ثقافة شعب ووحدة وطن ومستقبل أمة.
إن من أبرز التحديات التي سيواجهها العمل التربوي في المرحلة القادمة الارتفاع المتصاعد في نفقات التعليم نتيجة النمو السكاني، وتزايد الطلب على التعليم في مراحله وأنواعه المختلفة، وتزايد المعرفة بسرعة مذهلة نتيجة للبحوث العلمية وتطبيقاتها المتنوعة التي تقتحم كل المجالات التي يمكن الوصول إليها نتيجة للتطور الهائل في تقنية المعلومات وتنوعها وسهولة وصولها إلى كل مكان في العالم بما تحمله تلك الوسائل من تدفق ثقافي يشكل بعضه تهديداً مباشراً للقيم والثقافات.
ومن أهم أولويات العمل التربوي لمواجهة الآثار الناتجة عن تلك المتغيرات، وباستشراف مستقبل العمل التربوي واستجلاء توجهاته، تتجدد الآمال في أن تساعد تربية الغد على بلوغ ما نصبو إليه جميعاً من نمو متكامل للنشء، يسهم في تحقيق قدر أكبر من التنمية الشاملة المستدامة لمجتمعاتهم ودولهم.
وتتمثل مظاهر هذا النمو المتوقع في إتقان مهارات التواصل ومهارات التعلم الذاتي، وامتلاك القدرة على التفكير المحلل الناقد الذي يوصل إلى حل المشكلات. كما تتمثل في التمكن من فهم علوم العصر وتقنياته المتطورة واكتساب مهارات تطبيقها في العمل والإنتاج. وقبل كل ذلك التحلي بأخلاق الإسلام وآدابه في معاملة الآخرين وخدمة الوطن والعمل من أجل تقدمه والمحافظة على أمنه وسلامته وممتلكاته وإنجازاته.
كما يتوقع أن تنعكس نواتج تربية الغد على مجالات النمو الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للمجتمع، بحيث يرشد الاستهلاك ويزيد الإنتاج، ويرتفع إلى مستويات الجودة العالمية، وأن يتواصل الرقي الاجتماعي بفعل الاستقرار الأسري والتنشئة الاجتماعية المتوازنة المبنية على حسن التعايش مع الآخرين، والقائمة على فهم طبيعة متغيرات العصر والتفاعل الإيجابي معها، بحيث يقوى الوعي بالهوية الثقافية وبجذورها ومصادرها، وأن تتعزز القدرة على تنمية ثقافة الأمة وإغنائها بالتجارب المجددة، والإسهام في حضارة العالم.

المصدر : موقع القدس العربي من هنا

اترك تعليقاً