الفكر الحر

انتخابات بلا ناخبين/توفيق بوعشرين

لا شيء يدعو إلى الاطمئنان على سلامة الاقتراع يوم السابع من أكتوبر.. لا شيء يبشر بأن انتخابات 2016 ستجرى في أجواء شبيهة بانتخابات 2011، أما طموح أن نتقدم خطوة إلى الأمام فهذا حلم لا يراود أحدا… إليكم الوقائع والمؤشرات التي لا تطمئن الغيورين على الخيار الديمقراطي في المملكة، على قلتهم، والبداية من آخر الأخبار السيئة.
الخبر السيئ الأول يتمثل في أن أحزاب المعارضة (البام والاتحاد الاشتراكي والاتحاد الدستوري) حررت مذكرة وبعثتها إلى رئيس الحكومة، للمطالبة بإلغاء التسجيل الإلكتروني للناخبين في لوائح الاقتراع، وحذف الذين سجلوا السنة الماضية بطريقة قانونية، بدعوى أن حزب المصباح هو الذي استفاد منها لأنه قام بحملات دعائية لحث غير المسجلين في اللوائح على تقديم طلبات التسجيل إلى اللجنة المكلفة بالتسجيل في اللوائح الانتخابية، والتي كانت تفحص كل الطلبات التي تصل إليها، وتنشر نتائجها للعموم، وتفتح آجالا للطعن فيها أمام كافة الأحزاب، فلماذا لم يطعن العماري ولشكر وساجد في لوائح المسجلين إلكترونيا في حينها؟ (جل الأحزاب لا تملك الموارد البشرية ولا الخبرة حتى لفتح اللوائح في الحاسوب والاطلاع عليها، ومقارنة ما لديها من معطيات مع المنشور في هذه اللوائح). مطلب المعارضة له معنى واحد.. يريدون انتخابات بلا ناخبين، أو بأقل ما يمكن من الناخبين، حتى يتمكنوا من التحكم في العملية بالوسائل المعروفة تاريخيا. رحم الله أيام الزمن الماضي حين كان الاتحاد يحرض المواطنين على المشاركة في الانتخابات لقهر المال السياسي وتدخل السلطة. اليوم يضع لشكر بيضه في سلة البام، ويطوف على أبواب السلطة للحصول على الفتات من الأصوات والمقاعد مسقطا الجماهير الشعبية من حساباته.
الخبر السيئ الثاني هو قرار وزارة الداخلية عدم الإفراج عن نتائج الانتخابات الجماعية حتى لا يعرف أحد من حصل على ماذا في آخر استحقاق انتخابي، وهذا له معنى واحد.. أن الداخلية تخفي شيئا لا تريد أن يطلع عليه الرأي العام، وهذا يضعها ويضع وزارة العدل والحريات، في قفص الاتهام. لا أعرف كيف يبلع مصطفى الرميد هذه «الواقعة»، ويرجع للجلوس في لجنة انتخابية تخفي عن المغاربة النتائج التفصيلية لاقتراع الرابع من شتنبر 2015. هذا أمر لا يسيء فقط إلى ماضي الأشخاص وصورتهم الحقوقية والسياسية، بل يسيء إلى المستقبل.
الخبر السيئ الثالث هو أن الوقت يمضي بسرعة، ولم يبق أمامنا غير أربعة أشهر فيهما شهران أبيضان (رمضان شهر الصيام وغشت شهر العطلة)، فيما القوانين الانتخابية غير جاهزة، وتحتاج التعديلات التي أدخلت على القوانين التنظيمية إلى عرضها على المجلس الوزاري، ثم الحكومي، ثم الغرفة الأولى، ثم الغرفة الثانية، ثم المجلس الدستوري، ثم الإصدار والنشر في الجريدة الرسمية، وكل هذا يتطلب وقتا وجهدا وعلما بالجديد (رجعنا إلى عادة إصدار القوانين الانتخابية في آخر لحظة، كما كان إدريس البصري يفعل).
الخبر السيئ الرابع أن وزارة الداخلية منعت التجمعات الانتخابية والسياسية في الأماكن العمومية، ليس فقط للتضييق على حزب العدالة والتنمية، الذي أصبح الحزب الوحيد الذي ينظم لقاءات جماهيرية، في حين أن الأحزاب الأخرى تتحرك في الفنادق والصالونات المغلقة، بل إن منع التجمعات الجماهيرية في الساحات العمومية هدفه إشعار الناس بأن هذه الانتخابات غير مهمة، ولا تستحق التعبئة من أجلها، ولا داعي لخلق الحدث بمناسبتها، وكل هذا من أجل حسابات ضيقة، أو كما قال بنكيران في مجلة «تيل كيل»، إنها مناورات غير منطقية ولن تؤثر في شعبية الحزب.
إذا أضفنا إلى كل هذا عمليات التجميل التي تقوم بها أطراف في الدولة لحزب التراكتور، من أجل تقديمه باعتباره حزبا ليس كباقي الأحزاب، يتمتع بالقرب من مركز القرار، ويستطيع حل الكثير من مشاكل الأعيان والأثرياء وتجار الانتخابات، وما على هؤلاء إلا أن يركبوا في الجرار ليجدوا أنفسهم في البرلمان أو الوزارة أو على أبواب الريع والامتيازات والحصانة القضائية والضريبية… فإن الصورة تكتمل.
كان المؤمل أن نمشي إلى انتخابات تشريعية جديدة بعد خمس سنوات من الدستور الجديد، وحكومة الربيع المغربي، ووعود الإصلاح بسلاسة، وبرصيد قانوني وتنظيمي وسياسي جيد، لكن العكس هو الحاصل، أنزلنا العتبة إلى 3٪‏ لنبلقن البرلمان، ونضعف الحكومة والمعارضة، وها نحن نجهز على روح العملية الانتخابية بالمساس باللوائح ومراجعة التقطيع، واعتماد حصص «دوباج» كبيرة للحزب المعلوم، والبقية سترونها يوم الاقتراع… نحن مقبلون على كارثة وطنية يتحمل فيها بنكيران المسؤولية رقم واحد، وتتحمل الدولة العميقة المسؤولية رقم اثنين، وتتحمل أحزاب المعارضة المسؤولية رقم ثلاثة.
إذا لم يستطع بنكيران أن ينظم انتخابات «الحد الأدنى من النزاهة»، مثل تلك التي نظمها عباس الفاسي في 2011، فهذا عار سيلاحق زعيم العدالة والتنمية فاز أم خسر في هذه الانتخابات. انتهى الكلام، الوقت الآن للقرار.

المصدر : اليوم 24

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *